النهار
جريدة النهار المصرية

عربي ودولي

لماذا باكستان هي الوسيط المحتمل بين أمريكا وإيران لوقف الحرب؟

رئيس وزراء باكستان شهباز شريف
كريم عزيز -

أجاب الدكتور حسام البقيعي، الخبير في مركز رع للدراسات الاستراتيجية على التساؤل الخاص بـ «لماذا باكستان هي الوسيط المحتمل بين أمريكا وإيران لوقف الحرب؟»، موضحاً أنه لطالما ساد الاعتقاد بأن عُمان هى صاحبة الحق والتوكيل الحصرى للوساطة، والمسؤولة عن الحوار بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، فقد توسطت عبر قنوات غير رسمية أدت إلى خطة العمل الشاملة المشتركة بين أمريكا والترويكا الأوروبية وإيران، فيما عُرف بالاتفاق النووى الإيرانى.

وذكر «البقيعي» في تحليل له، أنه بالنسبة لقطر، فقد أقامت سياستها الخارجية كاملةً على كونها المكان المفضل للوساطة فى المنطقة. كلا الدولتين خليجيتان صغيرتان ومستقرتان، ولا توجد بينهما أية خفايا، وفى الظروف العادية هما بالضبط ما يُراد أو يُطلب، لكن هذه ليست ظروفاً عادية؛ إنها دبلوماسية أزمة تحت ضغط الضربات الجوية والرد الصاروخى، وإغلاق مضيق هرمز بكل ما يعنيه ذلك فى مجال الاستراتيجية والجيوبوليتيك، ومهلة 48 ساعة لفتح المضيق وتمديدها لخمسة أيام، ثم تمديدها إلى السادس من الشهر القادم، حتى لا يتم قصف شبكات الطاقة فى المنطقة، سواء فى إيران أو الخليج أو إسرائيل.

وأكد أن ذلك يتطلب أمراً مختلفاً؛ يتطلب وسيطاً يتمتع بنفوذ عسكرى، واتصال مباشر مع واشنطن، وقرب كافٍ مع طهران حتى يتمتع بالمصداقية دون الوقوع فى الأسر، وتتمتع باكستان بكل ذلك، بل وتتناسب تحديداً مع ذلك الوصف، فباكستان تتمتع بمزايا هيكلية حقيقية؛ فهى موطن لثانى أكبر عدد من المسلمين الشيعة فى العالم بعد إيران، حيث يبلغ تعدادهم 40 مليون نسمة، مما يمنحها تقارباً مذهبياً مع طهران لا تستطيع معظم الدول ذات الأغلبية السنية ادعاءه أو التظاهر به.

ونوه الدكتور حسام البقيعي، أن باكستان عقدت اتفاقية دفاع مشترك مع المملكة العربية السعودية العام الماضى، مما أكسبها مصداقية كبرى لدى الرياض وواشنطن فى آن واحد. وعلى عكس مسقط والدوحة، فإن باكستان دولة نووية تتوسط بين دولة تسعى لامتلاك قدرات نووية وقوة عظمى تحاول منعها، وفى الوقت نفسه، بنى الجنرال منير علاقات شخصية مباشرة مع ترامب توطدت خلال مفاوضات وقف إطلاق النار بين باكستان والهند فى مايو الماضى، عندما تحدث الرجلان مراراً وتكراراً حتى خرج ترامب معلناً الاتفاق، ناسباً الفضل لنفسه، ومنحت تلك الاتصالات المباشرة مع ترامب ما يسعى إليه العديد من القادة فى أنحاء العالم: قناة اتصال شخصية مع البيت الأبيض، الذى يُدار حالياً بالعلاقات الشخصية، لأن سيده لا يُلقى بالاً للقنوات المؤسسية.

وشدد على أن باكستان تتشارك وإيران جغرافياً بحدود تبلغ 900 كيلومتر تمر عبر بلوشيستان، التى توليها إيران اهتماماً بالغاً لوجود السكان البلوش المضطربين على الجانب الآخر، ففى الوقت الذى تستوعب فيه طهران الضربات الأمريكية والإسرائيلية التى تستهدف قدراتها وبنيتها التحتية للطاقة، وتدير شبكة وكلاء تمتد من اليمن إلى لبنان، فإن آخر ما يمكنها تحمله هو حدوث مشكلات على حدودها الشرقية مع باكستان، مؤكداً أن باكستان المعادية ليست فكرة مجردة، بل جبهة ثانية وخطيرة، وتحتاج إيران إلى حسن نية إسلام آباد.

وأوضح أن تدخل باكستان تلك المفاوضات بما لا تملكه مسقط أو الدوحة، وهو القدرة الضمنية على التسبب فى تفاقم الوضع الاستراتيجى لطهران إذا ما ساءت العلاقات، وهو ما يدركه الاستراتيجيون الإيرانيون الكبار دون الحاجة إلى تهديد أو إعلان من إسلام آباد. فباكستان، كونها ليست دولة خليجية، تقدم لطهران ما لا يمكن لعُمان وقطر تقديمه، ألا وهو ساحة ذات ثقل استراتيجى كافٍ يجعل التعامل معها لا يُنظر إليه على أنه تنازل أو استسلام، كما أن باكستان أثبتت خلال العام الماضى أنها دولة جادة قادرة على اتخاذ قرارات صعبة وتحمل تبعاتها، من خلال خطوات كانت مكلفة محلياً ولافتة للأنظار دولياً، فى محاولة للتخلص من النظرة التى سادت طوال العقد الماضى بأنها الدولة التى تحارب الإرهاب بيد وتؤويه باليد الأخرى.

وفى الداخل، أكد الخبير بمركز رع، أن الحكومة الباكستانية حظرت حزب لبيك باكستان المتشدد عندما تحول إلى أداة ابتزاز، وعقب الجنرال عاصم منير بأن باكستان للباكستانيين، وأن من يسعون إلى استيراد السياسات الطائفية من الشرق الأوسط غير مرحب بهم، فى إشارة إلى الشيعة والنموذج الإيرانى، وحملت تلك التصريحات رسالة إلى كل من واشنطن والرياض وطهران وتل أبيب فى آن واحد، أن باكستان لن تصبح مسرحاً للنفوذ الإيرانى، حتى مع الحفاظ على علاقات جيدة مع طهران، واجتازت الحكومة الباكستانية اختبار العدوان الإسرائيلى على غزة بعد التعرض لضغوط هائلة لقطع العلاقات مع واشنطن، وحافظت على علاقات مؤسسية سليمة.