النهار
جريدة النهار المصرية

رئيس التحرير

أسامة شرشر يكتب: الدفاعات العسكرية الخليجية مفاجأة الحرب

أسامة شرشر
-

لم يشر أحد في الإعلام العربي للأسف الشديد، ولم يتوقف كثيرون، عند المفاجأة الحقيقية على أرض الواقع، في قدرة الدفاعات الخليجية على صد الهجمات الإيرانية بالصواريخ والمسيرات في الوقت الذي عجزت فيه القبة الحديدية ومقلاع داود في الكيان الصهيوني عن صد هذه الهجمات الإيرانية، فيبدو أننا كعرب ننجح فقط في جلد الذات والانتقاص من قدرتنا.

ولابد أن نشير إلى جزئية خطيرة أن التجهيزات العسكرية الخليجية وخاصة في السعودية والإمارات وقطر والكويت والبحرين نجحت في الاعتماد على ذاتها في صد هذا الهجوم الإيراني غير المتوقع على دول الخليج.

والأكثر مفاجأة - وهو ما تجاهلته وسائل الإعلام العربية والأجنبية- أن دول الخليج هي التي دافعت عن القواعد الأمريكية بها وكأن دول الخليج هي التى تحمي الجنود الأمريكيين في القواعد المهجورة الآن التى أصبحت عبئًا على دول الخليج وجعلت هذا الشعب العربي العظيم يدفع فاتورة مواجهات عسكرية واقتصادية لا ذنب له فيها، رغم أنه كان دائمًا ينحاز إلى إيران وضد ضربها بأي شكل من الأشكال، ولكن عندما أخذت إسرائيل ترامب رهينة لديها، أصبح ينفذ ما تمليه عليه وقام الموساد والشاباك الإسرائيلي بتقديم معلومات غير حقيقية بأن سقوط النظام الإيراني سيحدث خلال أسبوع واحد رغم نفي المخابرات والبنتاجون الأمريكيين هذه الادعاءات.فأصبحت أمريكا متورطة في حربها مع إيران بدون رؤية استراتيجية لكيفية إنهاء الحرب، ولم تحسب حساب مضيق هرمز الذي أصبح فخًّا إيرانيًّا لأمريكا وإسرائيل.

ولابد أن أتوقف عند ذكاء القادة الخليجيين بضبط النفس وعدم الانجرار للكمين الأمريكي الإسرائيلي بوضع دولهم في خط المواجهة مع إيران
، فرفضوا حتى لا تشتعل المواجهة وتحدث نكسة اقتصادية وعسكرية تدفع ثمنها شعوب الخليج لعشرات السنوات القادمة، لأنها شريان التقدم الاقتصادي العربي الحقيقي من خلال مشاريع الطاقة والنفط والغاز والبتروكيماويات وهو ما أفسد المشروع الإسرائيلي ومحاولة جر دول الخليج لضرب إيران، خاصة أن العالم تأثر كثيرًا بوقف إمدادات غاز ونفط دول الخليج وأصبح مضيق هرمز رمزًا لتأكيد هذا الشلل العالمي في التجارة والملاحة وسلسلة الإمدادات على مستوى العالم.


ولا ننسى أو نتناسى على الإطلاق الموقف الأردني الصلب الذي رفض رفضًا مطلقا من خلال الملك عبد الله أن تكون الأردن جزءًا من الحرب، أو أن تستغل أراضيها أو سمائها لضرب إيران، ونجح الجيش الأردني في صد كل المسيرات التى جاءت إليه.
ناهيك عن موقف العراق العظيم بشعبه الأبي، وجيشه الذي ولد من رحم المعاناة بعد الاحتلال الأمريكي، والذي يتلقى الضربات من إيران وإسرائيل وأمريكا وما زال صامدًا، ويقود أخطر وأفضل رئيس وزراء للعراق في الآونة الأخيرة محمد شياع السوداني، لعبة التوازن على خط النار، فالعراق يعاني من خلال ضرب مواقعه البترولية التى هي شريان النهضة الاقتصادية له، مع وجود أكبر احتياطي نقدي لديه بعد استقلاله في الفترة الأخيرة، فهل سيصمد العراق أم يقع في مستنقع الحرب وخاصة أن إسرائيل وأمريكا تستهدفان الحشد الشعبي والميليشيات العراقية الموالية لإيران.

ويشهد الله أن مواقفي الوطنية منحازة دائمًا للشعب المصري والعربي، ويعلم القريب والداني من خلال تعامله معنا أن صوتنا قوي ولا يخشى في الحق أحد إلا الله، وأننا دافعنا عن الضمير الإنساني والوطني في البلدان العربية والإسلامية، وأيادينا النظيفة مرفوعة إلى السماء، وأن قلمنا جرئ الذي لا يخشى في الحق لومة لائم على مدار 35 سنة كنت خلالها صحفيًا في بلاط صاحبة الجلالة المصرية ونائبا منتخبا مستقلا في البرلمان المصري، دافعت عن القضايا المصرية والعربية حفاظًا على الكرامة والعزة والكبرياء المصري، وأقف دائمًا في خندق الشعوب ضد أي تجاوزات، فلذلك موقفنا في هذه الأزمة والمحنة، ضد أمريكا وإسرائيل، وضد من يتعامل مع الكيان الصهيوني بأي شكلٍ كان، وضد قيام إيران بضرب دول الخليج والأردن والعراق تحت أي مسمى.

ونعود إلى دول الخليج التى استطاعت من خلال قواتها العسكرية أن تحمي بلادها من العبث الإيراني الذي نرفضه شكلًا ومضمونًا، وهذا ليس لشيء، إلا أن الصواريخ والمسيرات التى تم إطلاقها على دول الخليج كان المكان الطبيعي لها هو إسرائيل، وما حدث في الضربات الأخيرة لإسرائيل كان هو عين الحقيقة، ورأينا مشاهد في حيفا وديمونا وعراد تذكرنا بالمشاهد التى فعلتها إسرائيل في غزة.

ومن هنا لا بد أن نعيد تقييم العديد من الأمور..
هل الأمن الخليجي سيكون منفردًا عن الأمن القومي العربي؟
وهل ستستغنى دول الخليج بعد الحرب عن القواعد الأمريكية وتكتفي بمستشارين عسكريين أمريكيين أو من أي دولة أخرى؟
وهل ستقوم دول الخليج بتنويع مصدر السلاح من دول أخرى مثل باكستان؟

وهل مصر ستكون هي الداعم الأكبر لمنظومة الأمن الخليجي في المرحلة القادمة؟

وهل سيتم تفعيل إنشاء القوة العسكرية العربية التى طرحتها مصر في عام 2015 ولم يتم تفعيلها؟
ما أحوجنا اليوم إلى مثل هذه القوة العسكرية بعيدًا عن لغة العواطف والتصريحات!

كما قلنا مرارًا إن المتغطي بالأمريكان عريان ويجب أن تعتمد الدول العربية والخليجية على توحيد قواها العسكرية حتى تكون رقمًا صعبًا في معادلة الشرق الأوسط الجديد الذي يعاد ترتيبه ليس على طريقة نتنياهو بعد أن انكشفت إسرائيل أمام الصواريخ والمسيرات الإيرانية، لأنه لن يكون هناك شرق أوسط جديد بطريقته ولن تكون إسرائيل (العظمى) ولكن ستظل فقط إسرائيل (الصغرى) التى أرهبتها صواريخ حزب الله وإيران حتى أصبحت حالة الرعب والخوف والهجرة إلى خارج إسرائيل هي عنوان هذه الحرب.

يجب على العرب أن يتعظوا من هذه الأزمة وهذه الحرب التى أسقطت القناع عن الجميع وأن تكون للدول العربية قوات عسكرية حقيقية يصرف عليها تريليونات الدولارات بدلًا من إنفاقها على أمريكا والغرب الذي يقوم بدعم إسرائيل بأموال العرب والخليج، ويجب علينا جميعًا أن نعترف بأننا قصرنا في حق شعوبنا ولم نطلعهم على ما يدور في الكواليس والغرف المغلقة والاتفاقات التى تمت، وعلى بعض الدول الخليجية أن تعلن عن انسحابها من اتفاقية إبراهام، لأن إسرائيل ستظل هي العدو الحقيقي للعالم العربي بغض النظر عن بعض الخلافات والاختلافات الأيديولوجية مع إيران وميليشياتها التى لا بد أن تعي الدرس أيضًا أن العرب هم درع لها وليسوا عدوًّا يتم الهجوم عليه.

كما أن زيارة آبي أحمد رئيس الوزراء الإثيوبي إلى الإمارات هي نوع من الفخ الإثيوبي الجديد الذي تقوم به لمحاولة الوقيعة الخليجية مع مصر، ولن يقف آبي أحمد أو مليون آبي أحمد آخر أمام المارد المصري الذي هو حائط الصد الحقيقي لأي نزاعات مستقبلية في المنطقة إذا تم الاتفاق على إنشاء قوة عسكرية عربية تكون جاهزة لردع من تسول له نفسه الهجوم على أي دولة عربية.

وأخيرًا ستنتهي الحرب إن عاجلا أو آجلا، ولكن يجب أن أشيد بدور الجاليات المصرية في السعودية وقطر والإمارات والكويت والبحرين وسلطنة عمان التى رفضت رفضًا مطلقًا أن تترك مواقع عملها في دول الخليج أثناء القصف الإيراني بل رفضت أن تغادر هذه الدول..هكذا يكون التلاحم الشعبي بين أبناء مصر ودول الخليج، وهو الرد الحقيقي على بعض الصغار الذين يحاولون أن يخلقوا فتنة بين الشعوب العربية، فالكبار لا يتعاملون مع المواقف البذيئة من الصغار مهما كانت الدوافع والأجندات واللجان الإلكترونية الإسرائيلية التى تعيث في بعض الدول فسادًا وإفسادًا لمحاولة الوقيعة بين مصر ودول الخليج

كفانا انقسامًا وكفانا خلافًا ويجب أن نقفز على هذه المؤامرات وأن نوحد بلادنا عسكريًا لأن العالم لا يحترم إلا لغة القوة.

وها هي مصر وقت الأزمات والمحن يظهر معدنها، فمصر تمصّر غيرها ولا تتغير ولا تنسى أشقاءها العرب، فهي تقود الآن ومعها تركيا وباكستان أطول وأصعب ماراثون ومفاوضات مع الجانب الأمريكي لكي تمنع طبول الحرب التى ستأكل الأخضر واليابس لدى الجميع، فمصر بدورها الحضاري، وهذا قدرها، ستظل هي الكبيرة وأم الدنيا وتملك خير أجناد الأرض، وهذا ليس قولنا ولكنه وصف رسولناالكريم عليه الصلاة والسلام، وأخيرًا أذكر بما قلته مرارًا وتكرارًا: استمعوا إلى صوت مصر وجيش مصر وشعب مصر لأنه هو حائط الصد الأول في أي حرب أو محنة أو أزمة.