ترامب يساوم الصين: إما المساعدة في فتح مضيق هرمز أو إلغاء القمة

قبل أسبوعين من زيارة مرتقبة إلى بكين لبحث الخلافات الأمريكية الصينية، وضع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب شرطاً جديداً للمضي في المفاوضات، يتمثل في مطالبة الصين بالمساعدة في إعادة فتح مضيق هرمز.
ويرى مراقبون أن هذا الشرط يعكس تصعيداً في الخطاب السياسي الأمريكي، إذ يحاول ترامب ربط مسار العلاقات مع بكين بملف أمني شديد التعقيد يتصل بالحرب الدائرة مع إيران.
غير أن الصين، بحسب تقديرات عديدة، لا تملك حافزاً حقيقياً للاستجابة لهذه المطالب، في ظل تعارضها مع مصالحها الاستراتيجية وعلاقاتها مع طهران.
أزمة نفط خانقة
تسببت إيران، من خلال إغلاق أحد أهم الممرات البحرية في العالم، في تعطيل نحو خُمس إمدادات النفط العالمية، ما أدى إلى ارتفاع حاد في الأسعار وإثارة مخاوف واسعة من أزمة طاقة قد تهز الاقتصاد العالمي.
وفي ظل ما يُوصف بأسوأ أزمة نفطية في التاريخ الحديث، دعا ترامب دولاً عدة، من بينها فرنسا واليابان وكوريا الجنوبية وبريطانيا، إلى التعاون لتأمين الملاحة في المضيق.
لكن هذه الدعوة تكشف في الوقت ذاته حجم المأزق الذي تواجهه واشنطن، إذ تسعى لتقاسم أعباء أزمة كانت طرفاً أساسياً في تفجيرها.
ضغط على بكين
في محاولة للضغط على الصين، صعّد ترامب من لهجته، مشيراً إلى أنه يريد معرفة موقف بكين قبل عقد قمة مرتقبة مع الرئيس الصيني شي جين بينغ نهاية الشهر.
ولوّح ترامب بإمكانية تأجيل زيارته إلى الصين في حال عدم تلقيه رداً واضحاً، في خطوة تعكس استخدامه للأدوات الدبلوماسية كورقة ضغط في سياق الأزمة.
وأكد أن الدول المستفيدة من الملاحة في مضيق هرمز ينبغي أن تسهم في حمايته، مشدداً على أن الصين مطالبة بدور مماثل في هذا الإطار.
مخاطرة غير واقعية
تبدو هذه المطالب، وفق مراقبين، غير اعتيادية، إذ يطلب ترامب من الصين المخاطرة بأصولها العسكرية في حرب تقودها الولايات المتحدة ضد دولة ترتبط معها بعلاقات وثيقة.
كما يهدد بتجميد المسار الدبلوماسي إذا لم تستجب بكين، وهو ما يعكس توتراً متزايداً في إدارة العلاقات بين القوتين.
في المقابل، تبدو الصين في موقع أفضل لتحمل تداعيات أزمة الطاقة، بعدما عملت خلال السنوات الماضية على تعزيز احتياطاتها النفطية وتنويع مصادر الاستيراد، إلى جانب استثمارات ضخمة في الطاقة النظيفة.
مناورة صينية
تشير تقارير إلى أن إيران قد تسمح بمرور بعض ناقلات النفط عبر المضيق إذا جرى تسعير النفط بالعملة الصينية، في خطوة قد تمنح بكين هامشاً إضافياً للمناورة.
ويرى خبراء أن الصين قد تفضل الانتظار وعدم التسرع في اتخاذ موقف، مستفيدة من موقعها الاستراتيجي الأكثر استقراراً مقارنة بغيرها من الدول الآسيوية.
هذا النهج يمنح بكين قدرة على التكيف مع الأزمة دون الانخراط المباشر في صراع عسكري معقد.
مأزق داخلي
ألقت الحرب بظلالها على القمة المرتقبة في بكين، في وقت يواجه فيه ترامب ضغوطاً داخلية متزايدة نتيجة ارتفاع أسعار الوقود وتصاعد الغضب الشعبي.
وتشير تقديرات إلى أن استمرار الهجمات على البنية التحتية للطاقة في إيران قد يزيد من تعقيد الوضع الداخلي الأمريكي، ويضع الإدارة أمام تحديات سياسية واقتصادية متزايدة.
في المقابل، ينظر بعض المحللين في الصين إلى الأزمة بنوع من الشماتة السياسية، معتبرين أن ترامب بات معزولاً دولياً نتيجة سياساته.
انتقادات إعلامية
دعت وسائل إعلام صينية رسمية إلى تعزيز التعاون مع الولايات المتحدة في ظل حالة عدم اليقين العالمي، لكنها في الوقت ذاته انتقدت فكرة إرسال سفن حربية إلى مضيق هرمز.
وتساءلت مقالات رأي عن جدوى ما يُطرح تحت عنوان "تقاسم المسؤولية"، معتبرة أنه في الواقع محاولة لتقاسم مخاطر حرب بدأتها واشنطن وتعجز عن إنهائها.
هذا الخطاب يعكس تبايناً واضحاً في الرؤية بين الجانبين بشأن إدارة الأزمة الحالية.
موقف دبلوماسي حذر
لم تقدم وزارة الخارجية الصينية التزاماً واضحاً بمطالب ترامب، مؤكدة أهمية القمة المرتقبة بين قيادتي البلدين.
وأشار المتحدث باسم الوزارة إلى أن التواصل بين الطرفين مستمر، وأن الدبلوماسية على مستوى القادة تلعب دوراً أساسياً في توجيه العلاقات الثنائية.
ويأتي ذلك في وقت تجري فيه محادثات اقتصادية بين الجانبين حول ملفات التجارة والموارد الاستراتيجية.
تراجع أوراق الضغط
تعرضت قدرة ترامب على التفاوض مع الصين لضربة كبيرة بعد قرار قضائي حدّ من صلاحياته في فرض رسوم تجارية على الشركاء الاقتصاديين.
وتسعى إدارته حالياً إلى البحث عن أدوات بديلة لتحقيق الأهداف نفسها، في ظل تراجع نفوذه في هذا الملف.
ويرى محللون أن الولايات المتحدة أصبحت في موقع يحتاج إلى الصين أكثر مما تحتاج الصين إليها، وهو ما يضعف موقفها التفاوضي.
عزلة متزايدة
حذر ترامب حلف شمال الأطلسي من عواقب وخيمة إذا لم يستجب لدعوته بإرسال سفن حربية، غير أن عدداً من حلفاء واشنطن، مثل اليابان وأستراليا، رفضوا الانخراط في هذا المسار.
أما الصين، التي تعد من أبرز شركاء إيران وأكبر مستورد لنفطها، فلا تملك دافعاً حقيقياً للانضمام إلى هذا التوجه.
وقد أدانت بكين الهجمات على إيران، ودعت إلى وقف فوري لإطلاق النار، مع انتقادها في الوقت ذاته لبعض الضربات الإيرانية ضد دول مجاورة.
نفوذ إقليمي
رغم استبعاد تدخلها العسكري المباشر في مضيق هرمز، فإن الصين تمتلك مصلحة واضحة في استقرار المنطقة، نظراً لارتباطها الوثيق بأسواق الطاقة العالمية.
كما تسعى بكين إلى تعزيز دورها كوسيط دبلوماسي في الشرق الأوسط، خاصة بعد نجاحها في رعاية اتفاق استعادة العلاقات بين إيران والسعودية عام 2023.
غير أن التصعيد الحالي يلقي بظلاله على هذه الجهود، ويهدد بتقويض الدور الذي حاولت الصين بناؤه في المنطقة خلال السنوات الماضية.
اقتصاد تحت الضغط
ورغم أن الصين تبدو أقل تأثراً نسبياً بأزمة النفط، فإنها ليست بمنأى عن تداعياتها، خاصة مع استمرار ارتفاع الأسعار عالمياً.
ويرى خبراء أن بكين تسعى إلى الحفاظ على استقرار اقتصادها وتجنب أي صدمات كبيرة قد تعرقل نموه.
وبذلك، تجد الصين نفسها أمام معادلة معقدة بين تجنب الانخراط في الحرب والحفاظ على مصالحها الاقتصادية والاستراتيجية في منطقة شديدة الاضطراب.

