النهار
جريدة النهار المصرية

عربي ودولي

السفير البريطاني السابق في طهران يكشف كواليس مهمة بشأن الحرب الجارية بين أمريكا وإيران

آثار الحرب بين أمريكا وإيران
كريم عزيز -

حلقة مُهمة أُعدت في برنامج The Rachman Review الذي تنتجه صحيفة فايننشال تايمز، أدار فيها الحوار جيديون راكمان، وهو كبير معلقي الشؤون الخارجية في الصحيفة وأحد أبرز الأصوات البريطانية المتابعة للتحولات الدولية الكبرى، بينما يحل ضيفا عليه السير سايمون غاس، الدبلوماسي البريطاني المخضرم، والسفير السابق لبلاده في طهران، كما شغل لاحقا رئاسة لجنة الاستخبارات المشتركة البريطانية، ما يمنحه خبرة نادرة تجمع بين المعرفة الميدانية بإيران والرؤية الاستراتيجية لمؤسسات الدولة الغربية.

كشف عزت إبراهيم، المحلل السياسي الكبير، وعضو المجلس القومي لحقوق الإنسان، تفاصيل الحلقة، موضحاً أن خليفة الضيف تجعل الحوار مهما، لأنه لا يقدم انطباعات صحافية سريعة، بل يطرح تقديرا سياسيا وأمنيا صادرا عن شخص يعرف إيران من الداخل ويعرف أيضا كيف تفكر العواصم الغربية حين تقيم الحرب، وحدود القوة، ومآلات الأزمات.

وذكر الكاتب عزت إبراهيم، أن الفكرة الأساسية في الحوار تنبع من مفارقة شديدة الدلالة: الولايات المتحدة وإسرائيل تمتلكان قوة نارية هائلة وقدرة تدميرية استثنائية، لكن هذه القدرة لم تنجح في إسقاط النظام الإيراني أو حتى في شل إرادته السياسية. هنا يلفت سايمون غاس الانتباه إلى أن الخطأ لا يكمن فقط في تقدير القدرة العسكرية الإيرانية، بل في سوء فهم بنية النظام نفسه. فإيران ليست مجرد هرم سلطوي ينهار بمقتل رأسه، بل نظام تشكل عبر عقود على أساس الصمود في وجه الضغوط الخارجية، ولذلك فإن الضربات العنيفة قد تضعفه وتستنزفه، لكنها لا تؤدي تلقائيا إلى تفككه، لأن عناصر التماسك فيه أعمق من مجرد أسماء القادة الذين تتم تصفيتهم.

وأكد على أنه عندما يناقش الحوار صعود مجتبى خامنئي إلى موقع المرشد الأعلى، فإنه لا يقدمه باعتباره مجرد انتقال وراثي للسلطة، بل كنتاج منطقي لظروف الحرب. سايمون غاس يشرح أن الأنظمة التي تواجه تهديدا وجوديا لا تذهب عادة نحو الشخصيات المرنة أو التوافقية، بل تختار الوجوه الأكثر صلابة والأقرب إلى المؤسسة الأمنية والعسكرية. ولذلك فإن وصول مجتبى، بما له من صلات قوية بالحرس الثوري، يعبر عن لحظة انغلاق وتشدد أكثر مما يعبر عن بداية مراجعة داخلية. المعنى هنا أن الحرب لا تفتح الأبواب أمام الاعتدال، بل تدفع النظام غالبا إلى الاحتماء بأشد عناصره تماسكا وخشونة.

ويتوقف الحوار عند نقطة مهمة تتعلق بطبيعة منصب المرشد الأعلى نفسه. فالاسم قد يوحي لغير المتخصصين بوجود حاكم مطلق يتخذ كل قرار بمفرده، لكن الضيف يوضح أن الواقع الإيراني أكثر تعقيدا. المرشد هو بالفعل صاحب الكلمة النهائية، لكنه يعمل أيضا كمنظم للتوازنات داخل النظام، يستمع إلى مراكز القوة المختلفة، ويحاول إبقاءها داخل إطار واحد حتى لا يتحول النظام إلى جزر متصارعة. هذا الشرح مهم لأنه يبدد الصورة التبسيطية التي ترى إيران مجرد ديكتاتورية فردية، بينما هي في الحقيقة بنية سلطوية متعددة المراكز، يحكمها التفاوض الداخلي بقدر ما يحكمها القمع.

ومن هنا ينتقل الحوار إلى تحديد مراكز القوة الحقيقية داخل النظام الإيراني. سايمون غاس يحصرها في ثلاثة: مكتب المرشد، والحرس الثوري، والحكومة المدنية بقيادة الرئيس. أهمية هذا التحديد أنه يساعد على فهم لماذا لا تسقط الدولة الإيرانية بسهولة حتى لو تعرض أحد هذه المراكز لضربات موجعة. مكتب المرشد يملك سلطة التعيين والشرعية الثورية والدينية، والحرس الثوري يملك السلاح والاقتصاد والشبكات الميدانية، أما الحكومة المدنية فتدير الشؤون اليومية والاقتصاد الداخلي. صحيح أن الحكومة هي الحلقة الأضعف، لكنها ليست عديمة القيمة، بل تمثل واجهة إدارية ضرورية لاستمرار الدولة، حتى لو بقي القرار الحقيقي في يد المؤسستين الأقوى.

ويمنح سايمون غاس مساحة خاصة للحديث عن الحرس الثوري الإيراني، لا باعتباره مجرد تشكيل عسكري، بل باعتباره إمبراطورية سياسية واقتصادية أيضا. هذه النقطة شديدة الأهمية لأن كثيرا من التحليلات الغربية والعربية لا تزال تتحدث عن الحرس الثوري بلغة تقليدية، كأنه شبيه بجيوش الدول العادية. بينما الواقع، كما يلمح الضيف، أن الحرس الثوري هو أحد أعمدة النظام في الاقتصاد والنفوذ الاجتماعي والمؤسساتي، وله حضور واسع في قطاعات الطاقة والمشروعات الكبرى. وهذا يعني أن إضعافه عسكريا لا يؤدي بالضرورة إلى اختفائه سياسيا، لأنه متغلغل في الدولة والمجتمع ومتشابك مع مصالح واسعة.

في هذا السياق، يفسر الحوار لماذا لم تنجح استراتيجية قطع الرأس في شل النظام. الفكرة الأمريكية والإسرائيلية كانت تقوم على أن اغتيال كبار القادة وتدمير البنية القيادية سيحدث ارتباكا يمنع إيران من الرد. لكن سايمون غاس يرد على ذلك بأن من يعرف إيران كان يفترض ألا يندهش من استمرار الرد الإيراني. فالنظام توقع منذ سنوات سيناريو كهذا، ووضع ترتيبات واضحة لاستبدال القيادات، وحمى شخصياته المهمة في ملاجئ ومواقع حصينة، وأنشأ هياكل بديلة لاستمرار القيادة والسيطرة. بكلمات أخرى، الضربات كانت مؤلمة، لكنها لم تضرب دولة غافلة، بل ضربت نظاما بنى جزءا من بقائه على توقع مثل هذه اللحظة.

ويضيف الضيف بعدا نفسيا وتاريخيا بالغ الأهمية حين يربط سلوك النظام الإيراني الراهن بتجربة الحرب العراقية الإيرانية. فهذه الحرب، في نظر كثير من النخبة الحاكمة في طهران، ليست مجرد حدث من الماضي، بل تجربة مؤسسة للوعي السياسي والأمني للنظام. منها تشكلت فكرة التضحية، واحتمال الألم الطويل، وربط البقاء الوطني بمواجهة العدوان الخارجي. لذلك حين تتعرض إيران للقصف اليوم، فإن النخبة لا تنظر إلى المسألة فقط بمنطق الربح والخسارة العسكرية المباشرة، بل من خلال ذاكرة تاريخية تعتبر الصمود في وجه الهجوم جزءا من شرعية النظام نفسه. هنا يصبح التحمل أداة حكم، لا مجرد رد فعل.