الدكتور أيمن الرقب يكشف كواليس الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران وأخطاء استراتيجية قد تشعل المنطقة
أستاذ علوم سياسية لـ”النهار”: أخطاء الرد الإيراني قد تمنح أمريكا وإسرائيل فرصًا لتوسيع الصراع..والحرب ضد إيران قد تطول.

في ظل التصعيد العسكري بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، تتزايد التساؤلات حول طبيعة هذه الحرب وحدودها الاستراتيجية واحتمالات اتساعها إقليميًا ودوليًا. وفي محاولة لفهم أبعاد هذا المشهد المعقد، يقدم أستاذ العلوم السياسية بجامعة القدس الدكتورأيمن الرقب في تحليل خاص ل"النهار" قراءة لما يجري، متوقفًا عند بعض الأسئلة المرتبطة ببداية الحرب، والرد الإيراني، والأخطاء الاستراتيجية المحتملة، وكذلك السيناريوهات المتوقعة لمسار الصراع خلال الفترة المقبلة. ويقدم الرقب إجابات وتفسيرات تساعد على فهم ديناميكيات المواجهة الحالية وما قد تؤول إليه في المرحلة القادمة.
هل نجحت الضربة الأولى في إرباك القيادة الإيرانية؟
يرى الرقب أن الأيام الأولى من الحرب كشفت عن حجم الصدمة التي تعرضت لها إيران نتيجة الضربة الأولى.قائلاً :"أسبوع تقريبًا مضى على الحرب الأمريكية الصهيونية ضد إيران، وهي حرب استخدم فيها الأمريكيون والصهاينة طريق الخداع للوصول إلى اغتيال قيادات عسكرية وسياسية إيرانية".
ويضيف أن هذه العمليات نجحت في اغتيال المرشد العام الإيراني، وهو ما أدى إلى حالة ارتباك كبيرة داخل بنية النظام السياسي والعسكري في طهران خلال الساعات الأولى من التصعيد، الأمر الذي انعكس على المشهد العام في بداية المواجهة.
وبناءً علي ذلك يشير الرقب إلى أن ما حدث يطرح علامات استفهام كبيرة حول مستوى الجاهزية داخل إيران، قائلاً:"هناك عدة قضايا تدفعنا للتوقف أمام هذا المشهد، أولها مسألة التراخي الأمني من قبل النظام الإيراني"، متسائلاً :"هل كان الإيرانيون يؤمنون الجانب الأمريكي والإسرائيلي بسبب وجود مفاوضات كانت تُجرى في مدينة جنيف بوساطة من سلطنة عمان، وبالتالي كان هناك قدر من حرية الحركة؟"
ثم يجيب أن التجارب السابقة كان من المفترض أن تدفع إيران إلى قدر أكبر من الحذر، موضحاً باستنكار:"ألم يتعلم الإيرانيون من تجارب سابقة مرت بها المقاومة في لبنان وفلسطين وكذلك إيران نفسها؟ رغم كل ذلك يُعاد المشهد بشكل أو بآخر".
ورغم هذا الارتباك الأولي، يشير الرقب إلى أن الرد الإيراني جاء سريعًا نسبيًا مقارنة بتجارب سابقة، قائلاً:"هذه المرة كان الرد سريعًا من إيران على ما قام به الاحتلال الإسرائيلي، عكس ما حدث في حرب الاثني عشر يوم الماضية".
ويرى أن سرعة الرد تعكس إدراكًا إيرانيًا مبكرًا لاحتمال وقوع الهجوم، مشيراً إلي أن:"هذا يعطي دلالة أن الإيرانيين كانوا يعتقدون أن هناك عدوانًا قادمًا لا محالة، ونحن كمتابعين سياسيين كنا نتوقع ذلك".
هل ارتكبت إيران خطأً استراتيجيًا في توسيع دائرة الرد؟
يؤكد الدكتور أيمن الرقب أن طريقة إدارة الرد الإيراني لم تكن خالية من الأخطاء، موضحًا: "أعتقد أن هناك خطأً استراتيجيًا في طريقة الرد على الهجوم، بغض النظر عن تعاطف كثير من شعوب العالم مع إيران، لأن من بدأ الغزو هو الولايات المتحدة والاحتلال الإسرائيلي".
ويضيف: "كان من الممكن تجنب استهداف مواقع داخل دول الجوار العربي، خاصة أن هذه الدول أعلنت رفضها للهجوم منذ البداية. فدول مثل السعودية والإمارات العربية المتحدة والبحرين والكويت وقطر أعلنت رفضها لهذا الغزو، وبالتالي فإن توجيه ضربات إلى قواعد موجودة على أراضيها، حتى لو كانت قواعد عسكرية أمريكية أو إسرائيلية، كان من الأفضل تجنبه في هذه المرحلة".
ويرى الرقب أن التركيز العسكري كان يجب أن يتجه نحو أهداف محددة دون توسيع دائرة المواجهة موضحاً:"هناك مكان واحد يجب التركيز عليه، وهو مدن الاحتلال الإسرائيلي والقواعد البحرية الأمريكية الموجودة في البحر."
ويحذر من تكرار أخطاء تاريخية في إدارة الصراع، مضيفًا أن توسيع نطاق الاستهداف قد يؤدي إلى نتائج شبيهة بما حدث خلال حرب عام 2003 عندما خاض نظام صدام حسين مواجهة واسعة انتهت بنتائج كارثية.
هل يؤدي استهداف دول أخرى إلى توسيع الحرب وتحولها إلى حرب عالمية
يوضح الرقب تقارير تحدثت عن إطلاق مسيرات باتجاه أذربيجان، إضافة إلى صاروخ باليستي اعترضته الدفاعات التركية وكان متجهًا إلى قبرص، محذرًا:"هذه الأمور ستحدث حالة من الشرخ في المنطقة، وقد تعطي مبررات للولايات المتحدة وإسرائيل لإدخال دول جديدة في هذا الملف".
ورغم خطورة التصعيد، يوضح أستاذ العلوم السياسة:"حتى هذه اللحظة هناك محاولات حتى لا تتحول هذه الحرب إلى حرب عالمية، ونستبعد ذلك بشكل كبير". كما يشير إلي أن دولًا صديقة لإيران مثل روسيا والصين تراقبان التطورات عن كثب، ويوجد رغبة منهم في تقديم الدعم ولكن دون الدخول بشكل مباشر، مضيفًا:"سقوط إيران يعني تهديدًا مباشرًا لأمن روسيا والصين القومي، لأن القواعد الأمريكية ستصبح أقرب إلى حدودهما وبالتالي لا بد طبعاً أن تتغير قواعد اللعبة".
ويري الرقب أن أطراف الصراع ما زالت حتى الآن تتحرك ضمن حدود معينة، مؤكداً:"حتى هذه اللحظة هناك ثبات نسبي في قواعد الاشتباك كما يوجد محاولات لاحتواء الحرب".
ويشير إلى أن حزب الله لم يستخدم بعد صواريخ فرط صوتية قادرة على الوصول إلى مدن إسرائيلية خلال أقل من دقيقتين، كما يشير إلي أن جماعة الحوثيون في اليمن ما زالت تنتظر مراحل أكثر تقدمًا من المواجهة قبل التصعيد الكامل.
كما يوضح الرقب أن الاستراتيجية الإيرانية الحالية تقوم على عدم استخدام كل الأوراق دفعة واحدة، قائلاً:"واضح أن الإيرانيين يديرون المعركة هذه المرة بذكاء، فهم لا يلقون بكل أوراقهم ويرغبون بإطالة أمد الحرب".
هل تتجه الولايات المتحدة نحو إسقاط النظام الإيراني؟
يشير الرقب إلى أن الموقف الأمريكي قد يتجه نحو تصعيد أكبر بعد التفويض الذي حصل عليه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من الكونغرس، موضحًا:"الأمريكيون بعد التفويض سيجدون أن السبيل الوحيد ربما يكون إسقاط النظام في إيران".
ويضيف أن أي محاولة لتغيير النظام الإيراني قد تتطلب تدخلًا بريًا، وهو سيناريو محفوف بالمخاطر، قائلًا: "إذا قرر الأمريكيون الدخول في حرب برية، فلا أعتقد أنها ستكون سهلة عليهم".
وفي نفس السياق، ينتقد أستاذ العلوم السياسة تصريحات ترامب الأخيرة، موضحًا: "ترامب صرح في مقابلة مع القناة العبرية 14 بأنه سيحدد من سيكون المرشد العام في إيران، وهو تصريح يثير السخرية ويعكس نزعة نرجسية لدى الرئيس، كما تبرز في ملفات جيفري إبستين والتي يبتزه بها الإسرائيليين".
ويؤكد أن المواجهة الحالية قد تستمر لعدة أسابيع إضافية قبل أن تتضح ملامح المرحلة التالية من الصراع، ما يعكس تعقيد السيناريوهات القادمة في المنطقة.
هل تحتاج المنطقة إلى مراجعة للدور الأمريكي؟ وهل تسعى إسرائيل لإعادة تشكيل تحالفات المنطقة؟
يجيب أستاذ العلوم السياسية الدكتور أيمن الرقب :"أعتقد أن الدور الأمريكي في هذا الأمر يحتاج إلى مراجعة عربية لصناع القرار العربي". وفي هذا السياق، يدعو إلى مراجعة عربية شاملة للعلاقات الأمنية في المنطقة. قائلاً:"مهم جداً أن تراجع إيران علاقتها بالمحيط ويجب أن تتوقف عن استهداف دول عربية شقيقة حتى لا تحدث أمور لا تستطيع بعد ذلك معالجتها".
كما يؤكد الرقب:"إن على الدول العربية التفكير في إعادة تفعيل اتفاقيات الدفاع العربي المشترك، إضافة إلى بناء علاقات استراتيجية أعمق مع روسيا والصين وربما فتح المجال لترتيبات أمنية جديدة، وفتح مجال لهم لقواعد عسكرية لهم على الأرض"، محذراً أنه لا يجب أن تُترك الأمور بعلاتها لهذا الوجود الأمريكي الذي يبحث فقط عن تحقيق حلم إسرائيل الكبرى مشيراً إلي تصريحات السفير الأمريكي في تل أبيب مايك كابي تحدث فيها عن تحقيق ما يسمى "حلم إسرائيل الكبرى".
ويذكر بأن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قال قبل الضربات بيوم واحد خلال لقائه مع رئيس وزراء الهند إن إسرائيل تسير نحو إنهاء التحالف الشيعي والاستعداد لبناء تحالف لمواجهة التحالف السني. ويعني الرقب بذلك أن إسرائيل تعمل على إعادة ترتيب تحالفاتها الإقليمية لبناء تحالفات بديلة، في خطوة تهدف إلى إعادة رسم التوازنات الاستراتيجية في المنطقة قبل اندلاع أي مواجهة عسكرية واسعة.
كيف تتعامل دول الخليج مع التصعيد؟
عند التطرق إلى موقف دول الخليج، يؤكد أستاذ اللوم السياسية الدكتور أيمن الرقب أن دول الخليج تتعامل حتى الآن بقدر كبير من ضبط النفس، موضحاً:"إن دول الجوار العربي تحاول اعتراض الصواريخ التي قد تسقط في أراضيها"، مشيرًا إلى أن منظومة الدفاع الصاروخي الأمريكية ثاد لم تُنشر فقط في الخليج بل في إسرائيل أيضًا، كما تعتمد بعض الدول على أنظمة دفاعية مشابهة لمنظومة القبة الحديدية.
ما المطلوب عربيًا في هذه المرحلة؟
يرى الرقب أن الاحتلال الإسرائيلي بطبيعة بنيته السياسية والأمنية لا يعيش إلا في ظل وجود عدو خارجي، وهو ما يدفعه باستمرار إلى البحث عن خصم جديد يبرر سياساته وتحركاته في المنطقة. ويقول: "هذا الكيان المحتل لا يعيش إلا بوجود عدو خارجي، ولذلك سيواصل العبث في المنطقة للبحث عن عدو جديد يتحدث عنه ويقدمه كتهديد، حتى وإن لم يكن هناك عدو حقيقي بالشكل الذي يحاول تصويره اليوم، سواء تحت عناوين طائفية أو غيرها".
ويختتم أستاذ العلوم السياسية تحليله بالتأكيد على أن الحرب ما زالت في بداياتها، وأن المطلوب هو بلورة رؤية عربية مشتركة. مؤكداً:"مهم جدًا أن يكون للعرب رؤية واضحة واستراتيجية، وأن تتحرك جامعة الدول العربية لوضع استراتيجية دفاعية مشتركة".
كما يشدد على ضرورة أن تراجع إيران سياساتها الأخيرة وأن تفتح حوارًا جادًا مع دول الجوار، محذرًا من أن :"توسيع الصراع قد يقود إلى حرب إقليمية واسعة ستحرق الأخضر واليابس في المنطقة".

