سمير فرج: إسقاط النظام الإيراني بالضربات الجوية مستحيل..والحرب الحالية قد لا تتجاوز 12 يومًا
اللواء سمير فرج يكشف ملامح المشهد العسكري بين إيران وإسرائيل وتداعياته الإقليمية

في ظل التصعيد المتسارع في المواجهة العسكرية بين إيران من جهة، وإسرائيل والولايات المتحدة من جهة أخرى، تتزايد التساؤلات حول أهداف هذه الحرب واحتمالات اتساعها، وتأثيراتها على التوازنات الإقليمية والاقتصاد العالمي. وفي هذا السياق، قدم الخبير العسكري والاستراتيجي اللواء سمير فرج في تحليل خاص ل"النهار" قراءة تحليلية لطبيعة الصراع الدائر، موضحًا أن ما يحدث لا يقتصر على مواجهة عسكرية محدودة، بل يعكس صراعًا استراتيجيًا أوسع على موازين القوة في الشرق الأوسط.
ويشير فرج إلى أن فهم المشهد الحالي يتطلب النظر إلى خلفياته الاستراتيجية، وأهداف القوى المتصارعة، فضلًا عن تداعياته المحتملة على استقرار المنطقة والاقتصاد العالمي.
هل يمثل سقوط إيران خللًا في التوازن الاستراتيجي بالمنطقة؟
في البداية يرى اللواء سمير فرج أن سقوط إيران في الوقت الراهن لن يكون في مصلحة المنطقة، بل قد يؤدي إلى خلل كبير في ميزان القوى الإقليمي.
ويقول:"ليس من مصلحة مصر ولا من مصلحة المنطقة سقوط إيران الآن، لأن ذلك سيفقد التوازن الاستراتيجي في الشرق الأوسط". كما يوضح أن وجود قوى إقليمية رئيسية يظل عنصرًا مهمًا في معادلة الاستقرار، مضيفًا: "لا بد أن تبقى إيران موجودة في المنطقة، سواء كنا متفقين معها أو مختلفين معها، فهناك قوى رئيسية مثل إيران وتركيا ومصر، وهذه القوى تشكل جزءًا من التوازن".
ويشير إلى أن المنطقة فقدت بالفعل بعض عناصر التوازن خلال السنوات الماضية، موضحًا: "كفانا أننا فقدنا العراق خلال الفترة الماضية، وفقدنا أيضًا سوريا" لافتًا إلى أن إعادة بناء هذه الدول واستعادة توازنها قد يستغرق ما بين عشر إلى خمس عشرة سنة. ومن ثم، فإن استمرار وجود إيران كقوة إقليمية يظل عاملًا مهمًا في معادلة الاستقرار الإقليمي.
هل نحن أمام حرب جديدة أم امتداد لحرب سابقة؟
في تحليله للتطورات العسكرية يؤكد اللواء فرج أن ما يجري حاليًا يمكن فهمه في إطار مرحلتين من الصراع. فالحرب الأولى – بحسب وصفه – كانت الحرب الإسرائيلية الأمريكية ضد إيران، والتي عُرفت إعلاميًا بـ"حرب الاثني عشر يومًا" التي اندلعت في يونيو من العام الماضي.
وبحسب تحليله، كان الهدف من الحرب الأولى واضحًا ومحددًا، موضحاً: "الهدف الأساسي من تلك الحرب كان منع إيران من امتلاك سلاح نووي، ولذلك كانت الضربات التي نُفذت خلال تلك الأيام استهدفت المفاعلات والمنشآت المرتبطة بالمشروع النووي الإيراني".
أما بخصوص المواجهة الحالية، فيقول : "أنا أسمي ما يحدث الآن الحرب الثانية".
ويرى أن الهدف المعلن في هذه المواجهة مختلفًا، قائلاً: "الهدف الذي أعلنته الولايات المتحدة وإسرائيل يبدو أكثر تعقيدًا، إذ يتحدث عن إسقاط النظام الإيراني". غير أنه يشدد على أن هذا الهدف – من وجهة نظر عسكرية واستراتيجية – غير واقعي إذا اعتمد فقط على الضربات الجوية أو الصاروخية.
هل يمكن إسقاط النظام الإيراني عبر الضربات العسكرية؟
يؤكد الخبير العسكري أن إسقاط الأنظمة السياسية لا يتم عادة عبر الضربات الجوية وحدها. ويقول: "لا يوجد في العلوم العسكرية ما يسمى بإسقاط نظام عبر ضربة جوية أو ضربة صاروخية فقط".موضحاً أن :"إسقاط نظام سياسي يتطلب أحد مسارين أساسيين: إما أن يسقط من الداخل نتيجة حراك شعبي، أو أن تدخل قوة عسكرية وتحتل الدولة".
وفي هذا السياق، يشير فرج إلى أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو حاولا تشجيع الاحتجاجات داخل إيران، في محاولة لدفع الشارع الإيراني إلى التحرك ضد النظام. غير أن هذه الدعوات – بحسب تقديره – جاءت بنتائج عكسية، إذ عادة ما يتوحد الشعب في مواجهة أي تهديد خارجي.
ويضيف موضحًا طبيعة ردود الفعل الشعبية في مثل هذه الظروف: "المواطن قد ينتقد حكومته في الظروف العادية، لكن عندما تتعرض بلاده لهجوم خارجي، فإن الجميع يتوحد للدفاع عنها".
وفيما يخص المسار الثاني ، يستبعد اللواء سمير فرج سيناريو التدخل العسكري البري لإسقاط النظام الإيراني، موضحًا أن إيران دولة كبيرة جغرافيًا وبشريًا، ما يجعل أي حرب برية ضدها شديدة التعقيد وأن أي محاولة لاحتلالها ستعيد تكرار تجارب عسكرية مكلفة شهدتها المنطقة في السابق.
ويقول:"لا الولايات المتحدة تستطيع أن تدخل حربًا برية داخل إيران بهذا الحجم ، ولا إسرائيل لديها القدرة العسكرية اللازمة لتنفيذ مثل هذا السيناريو
ما الشروط التي تحاول واشنطن وتل أبيب فرضها على إيران؟
بحسب تحليل فرج، فإن الهدف الحقيقي من العمليات العسكرية الحالية يتمثل في ممارسة ضغوط على إيران للقبول بالشروط الأمريكية والإسرائيلية في أي مفاوضات محتملة.
ويشير إلى أن هذه الشروط تتضمن ثلاثة مطالب رئيسية:عدم امتلاك إيران سلاحًا نوويًا، تقليص برنامج الصواريخ الباليستية. ووقف دعم الجماعات المسلحة الحليفة لطهران في المنطقة.
ويضيف أن :"هذه الجماعات تشمل أطرافًا عدة، من بينها حزب الله في لبنان، والقوى الحليفة لإيران في سوريا والعراق، إضافة إلى الحوثيون في اليمن، فضلًا عن الفصائل الموجودة في قطاع غزة".
كيف تتطور العمليات العسكرية على الأرض؟
اللواء فرج يقول:"على المستوى الميداني،إن العمليات العسكرية بين الطرفين تتطور يومًا بعد يوم". مشيرًا إلى أن إيران تمكنت من تنفيذ ضربات مؤثرة داخل إسرائيل.، ما دفع السكان في العديد من المدن – ومن بينها تل أبيب – إلى اللجوء إلى الملاجئ بشكل متكرر.
ومع ذلك، يلفت إلى أن إيران ارتكبت أيضًا بعض الأخطاء العسكرية، واصفًا إياها بـ"الأخطاء الساذجة"، إذ كان من المفترض – في رأيه – أن تستفيد من خبرتها في الحرب السابقة التي استمرت 12 يومًا، بدلًا من تكرار بعض الأخطاء العملياتية.
ويستشهد هنا بقاعدة عسكرية معروفة قائلًا:"الحرب تعلم الحرب." مستشهدًا بتجربة حرب الاستنزاف التي أعقبت هزيمة 1967 وأسهمت في إعداد الجيش المصري لخوض حرب أكتوبر 1973 بنجاح.
إلى متى قد تستمر هذه الحرب؟ وتأثيرها على الاقتصاد العالمي
وعلى خلاف بعض التقديرات التي تحدثت عن احتمال استمرار الحرب لأسابيع، يرى اللواء سمير فرج أن المواجهة الحالية لن تستمر لفترة طويلة، قائلاً : "لا أعتقد أن هذه الحرب ستستمر أربعة أسابيع كما قيل، وأرجح ألا تزيد مدتها عن مدة الحرب الأولى التي استمرت 12 يومًا".
ويرجع ذلك إلى الضغوط الاقتصادية العالمية المتزايدة، خاصة مع ارتفاع أسعار النفط واحتمالات تعطل حركة الملاحة في ممرات بحرية استراتيجية مثل مضيق هرمز ومضيق باب المندب، اللذين يمر عبرهما جزء كبير من تجارة النفط العالمية.
ويحذر من أن إغلاق هذه الممرات قد يؤدي إلى تعطيل نسبة كبيرة من إمدادات النفط العالمية، وهو ما سينعكس بشكل مباشر على الاقتصاد الدولي وأسواق الطاقة.
لماذا لم تتحرك روسيا والصين حتى الآن؟
وعند الحديث عن المواقف الدولية يلفت فرج إلى أن كلًا من روسيا والصين لم تقدما دعمًا عسكريًا مباشرًا لإيران حتى الآن، رغم علاقاتهما الوثيقة معها، قائلاً:"بالرغم من اعتماد الصين على النفط الإيراني بنسبة كبيرة، لكنها لم تتحرك سوى بإرسال سفينة إلى منطقة الخليج".
ويضيف أن تفسير ذلك بسيط في نظره، ويعكس قاعدة أساسية في العلاقات الدولية موضحاً: "السياسة في النهاية هي لغة المصالح، فكل دولة تتحرك وفقًا لما تراه مناسبًا لمصالحها الاستراتيجية والاقتصادية".
ماذا تعني هذه التطورات بالنسبة لمصر؟
في ختام حديثه، شدد اللواء سمير فرج على أهمية امتلاك قوة عسكرية قادرة على حماية الاستقرار. مشيراً إلي أن :"السلام لا يمكن الحفاظ عليه إلا إذا كانت هناك قوة تحميه".
وأشار إلى أن مصر خلال السنوات الماضية اتجهت إلى تنويع مصادر تسليحها، وهو ما ساهم في تعزيز قدرات القوات المسلحة. كما يضيف:"مصر حصلت على تسليح متطور من عدة دول، مثل مقاتلات رافال وحاملات المروحيات ميسترال والفرقاطات الحديثة."
ويؤكد أن امتلاك قوة عسكرية قوية يمثل عاملًا أساسيًا في حماية الأمن والاستقرار في منطقة تعيش حالة من الاضطراب المتزايد. كما يلعب دورًا مهمًا في حماية المصالح الاستراتيجية للدولة، مثل قناة السويس وحقول الغاز في البحر المتوسط، مشددًا على أن الاستقرار الذي تعيشه مصر اليوم يعكس أهمية بناء قوة عسكرية قادرة على حماية الدولة ومصالحها الاستراتيجية.

