غزة بين الأوهام والواقع.. خطة بلا ضغط ومسار بلا خبرة

في غزة، تبدو المسرحية الدبلوماسية أكثر وضوحاً من أي ساحة أخرى. فبعدما نجح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في دفع إسرائيل إلى قبول خطته ذات النقاط العشرين، التي تبدأ بوقف إطلاق النار، تلت ذلك تحركات أقرب إلى العروض الاستعراضية منها إلى مفاوضات سياسية جادة.
ما يُسمى بمجلس السلام ، قد يكون أداة فعالة لجمع التمويل لإعادة إعمار غزة، لكن التمويل وحده لا يصنع سلام. فبدون ضغط حقيقي على إسرائيل لبدء انسحاب فعلي، لن يكون هناك إطار سياسي أو أمني يمكن البناء عليه. وفي ظل تفضيل كل من حكومة بنيامين نتنياهو وحماس استمرار الوضع القائم، تبدو فرص التحول الجذري محدودة.
زاد من هذا الانطباع العرض الذي قدّمه جاريد كوشنر في المنتدى الاقتصادي العالمي بـدافوس " سويسرا" ، والذي رسم صورة مستقبلية لغزة أقرب إلى نموذج تنموي حالم، في وقت لا تزال فيه المنطقة غارقة في التشرد وانعدام الأمن الغذائي وأزمات الصحة العامة.
الخطة، كما طُرحت، تفتقر إلى شراكة فلسطينية حقيقية ؛ فلا وجود لقيادات فلسطينية وازنة في صياغتها، ولا دور فعلي للسلطة الفلسطينية، كما لا تتضمن آلية واضحة لكبح سياسات التوسع الإسرائيلي في الضفة الغربية أو معالجة واقع سيطرة إسرائيل على أكثر من نصف مساحة غزة حاليًا.
أي تصعيد أمريكي مع إيران لن يؤدي سوى إلى تأجيل تنفيذ أي مسار سياسي، ما يترك القطاع في حالة انقسام وتعطّل وعنف متقطع، دون أفق مستقر.
لا خبرة.. ولا عملية سياسية
من منظور دبلوماسي، تبدو المشكلة أعمق من مجرد تعثر تكتيكي. فالفريق المحيط بترامب، وبينهم كوشنر وستيف ويتكوف، يُنظر إليه على أنه يفتقر إلى الخبرة السياسية المتخصصة في واحد من أعقد صراعات العالم. الصراع الإسرائيلي - الفلسطيني ليس صفقة عقارية، رغم ما يتضمنه من قضايا أرض وحدود؛ بل هو ملف متشابك الجذور، دينيًا وتاريخيًا وأمنيًا.
في الولاية الأولى لترامب، عكست مقاربة الإدارة انسحاب من المسار التفاوضي التقليدي، وطرح رؤية أحادية الجانب فتحت الباب أمام ضم أجزاء واسعة من الضفة الغربية، وهو ما عُدّ آنذاك ابتعادًا عن أسس التفاوض المتعارف عليها.
صحيح أن كوشنر لعب دورًا في إنجاز اتفاقيات التطبيع الإقليمية، غير أن السياسة تجاه الفلسطينيين ظلت نقطة ضعف رئيسية في سجل الإدارة.حيثُ كشفت تجربة غزة عن غياب الضغط المتوازن، وافتقار العملية السياسية لإطار شامل يضم الأطراف المعنية، يحولان أي خطة مهما بدت طموحة على الورق إلى مشروع معلق بين الطموح والواقع.

