علي أعرافي… عقل الحوزة ومنسّق الظل في معادلة القيادة الإيرانية

يبرز اسم علي أعرافي بوصفه أحد الوجوه المؤثرة في المشهد الديني–السياسي داخل إيران، لا سيما مع عضويته في مجلس القيادة المؤقت ممثلًا لـ«مجلس صيانة الدستور»، الهيئة الدينية الأعلى نفوذًا في ما يتصل بمراجعة القوانين والإشراف على الانتخابات، فضلًا عن دورها المحوري في رسم الإطار العام لاختيار المرشد الأعلى الجديد. حضوره داخل هذا المجلس يمنحه موقعًا متقدمًا في لحظة حساسة تتداخل فيها الاعتبارات الفقهية مع الحسابات السياسية.

وُلد أعرافي عام 1959 في مدينة ميبد بمحافظة يزد، ونشأ في بيئة دينية أهلته مبكرًا للانخراط في مسار الحوزة العلمية. ينتمي إلى ما يُوصف بـ«الجيل الجديد من بيروقراطيي الحوزة»، وهو تيار يجمع بين التكوين الفقهي التقليدي والقدرة المؤسسية الحديثة على الإدارة والتخطيط. هذه الثنائية جعلته يتجاوز الدور الديني المحض إلى موقع إداري–تنفيذي داخل بنية الدولة الدينية.
منذ عام 2019، يشغل عضوية مجلس صيانة الدستور، حيث يشارك في مراجعة التشريعات الصادرة عن البرلمان لضمان توافقها مع الدستور والشريعة، إضافة إلى دوره في الإشراف على العمليات الانتخابية. هذه العضوية تضعه في صلب منظومة الضبط الدستوري، وتمنحه اطلاعًا مباشرًا على توازنات النظام ومفاصله الحساسة.

كما أنه عضو في مجلس خبراء القيادة، الجهة المخولة دستوريًا بانتخاب المرشد الأعلى ومراقبة أدائه، بل وعزله عند الضرورة. الجمع بين عضويته في المجلسين يمنحه تأثيرًا مركبًا، إذ يشارك في هندسة الإطار القانوني والسياسي للنظام، وفي الوقت ذاته في آلية اختيار رأس الهرم فيه.
ويُنظر إلى أعرافي بوصفه مقربًا من نهج المرشد السابق علي خامنئي، سواء في مقاربته لدور الحوزة في إدارة الدولة أو في دعمه لمفهوم «ولاية الفقيه» كمرتكز للحكم. هذا القرب لم يكن مجرد اصطفاف سياسي، بل انعكس في توليه مناصب دينية رفيعة تتطلب قدرًا عاليًا من الثقة من القيادة.
يتولى أعرافي إدارة الحوزات العلمية في إيران، وهو منصب بالغ الحساسية، إذ يشرف على البنية التعليمية والدعوية للمؤسسة الدينية، ويضطلع بدور محوري في إعداد الكوادر الفقهية التي تشكل العمود الفقري للنظام. ومن خلال هذا الموقع، يساهم في رسم سياسات التعليم الديني وتحديث آلياته بما يواكب متطلبات الدولة.
وسبق له أن ترأس جامعة المصطفى العالمية، حيث أدار ملف تعليم الطلاب الأجانب وفق منهجية تقوم على ترسيخ مفهوم ولاية الفقيه، ما منح الجامعة بعدًا دوليًا في نشر الرؤية الدينية والسياسية الإيرانية خارج الحدود. هذا الدور عزز حضوره في الدوائر المعنية ببناء النفوذ الفكري والثقافي لإيران.
إلى جانب ذلك، يشغل منصب إمام جمعة مدينة قم، المركز الديني الأبرز في البلاد. إمامة الجمعة في قم ليست وظيفة دينية فحسب، بل موقع رمزي يعكس مكانة صاحبه داخل هرم المؤسسة الدينية، ويشير إلى مستوى الثقة السياسية والدينية الممنوح له. ومن خلال خطبه، يشارك في توجيه الرأي العام الديني وإبراز مواقف المؤسسة الرسمية إزاء القضايا الداخلية والخارجية.
مجمل هذه الأدوار تجعل من علي أعرافي شخصية تجمع بين العمق الفقهي والمهارة الإدارية، وبين الحضور المؤسسي والتأثير الفكري. فهو ليس مجرد عالم دين تقليدي، ولا إداري بيروقراطي فحسب، بل حلقة وصل بين الحوزة ومؤسسات الدولة، وبين النظرية الفقهية والتطبيق السياسي. وفي ظل أي استحقاق يتعلق بمستقبل القيادة العليا في إيران، يبقى اسمه حاضرًا ضمن معادلة معقدة يتقاطع فيها الدين بالسياسة، والشرعية الفقهية بإدارة الدولة.

