باحث: كلفة الحرب تردع واشنطن عن ضرب إيران رغم التفوق العسكري

أكد الباحث في شؤون الشرق الأوسط بكير أتاجان أن التردد الأمريكي في توجيه ضربة عسكرية لإيران لا يعود إلى الخوف من الهزيمة العسكرية، بل إلى إدراك عميق لحجم الكلفة السياسية والاقتصادية والاستراتيجية التي قد تترتب على أي مواجهة مفتوحة.
وأوضح أتاجان، في تصريحات لـ"النهار"، أن النقاش حول توجيه ضربة أمريكية لطهران يتصاعد باستمرار، في ظل نشر حاملات طائرات وقاذفات استراتيجية وتصاعد التهديدات المتبادلة.
وأشار إلى أن التفوق العسكري الأمريكي لا جدال فيه من حيث القدرات التقنية والتسليحية، إلا أن الحروب لا تُحسم فقط بالتفوق العسكري، بل بمدى القدرة على تحمل تداعياتها طويلة الأمد. وأضاف أن السؤال الحقيقي الذي يحكم القرار الأمريكي ليس القدرة على الضرب، بل القدرة على تحمل نتائج الضربة وما بعدها.
التفوق لا يكفي
وأوضح أتاجان أن الولايات المتحدة تمتلك قدرات هجومية هائلة، بما في ذلك قاذفات استراتيجية قادرة على اختراق الدفاعات العميقة وقنابل خارقة للتحصينات مصممة لتدمير المنشآت المحصنة. لكنه شدد على أن المشكلة لا تكمن في نجاح الضربة الأولى، بل في تداعيات المراحل اللاحقة من الحرب.
وأكد أن إيران لا تمثل هدفاً تقليدياً مكشوفاً، بل تمتلك جغرافيا معقدة ومنشآت موزعة وبنية عسكرية غير مركزية، ما يجعل القضاء الكامل على قدراتها أمراً بالغ الصعوبة. وأضاف أن تدمير جزء من هذه القدرات لا يعني إنهاء قدرتها على الرد أو مواصلة المواجهة.
استراتيجية الإيلام
وأشار إلى أن الاستراتيجية الإيرانية لا تقوم على تحقيق نصر عسكري تقليدي، بل على رفع كلفة الحرب إلى مستوى يصعب على واشنطن تحمله. وأوضح أن طهران تمتلك ترسانة كبيرة من الصواريخ والطائرات المسيّرة والأدوات البحرية التي يمكن استخدامها لإرباك القوات الأمريكية.
وأضاف أن مجرد استهداف قاعدة أمريكية أو سفينة حربية أو تعطيل عمليات بحرية حساسة قد لا يغير ميزان القوى العسكري، لكنه سيؤثر بشكل كبير على الرأي العام الأمريكي. وأكد أن العامل السياسي الداخلي يمثل أحد أهم محددات استمرار الحروب بالنسبة للولايات المتحدة.
مضيق هرمز ورقة ضغط
وأوضح أتاجان أن الخطر الأكبر لا يتمثل فقط في المواجهة العسكرية المباشرة، بل في التداعيات الاقتصادية العالمية المحتملة. وأشار إلى أن أي تعطيل لحركة الملاحة في مضيق هرمز قد يؤدي إلى ارتفاع حاد في أسعار النفط، ما يهدد بحدوث أزمة طاقة عالمية.
وأكد أن مثل هذا السيناريو سيؤدي إلى ضغوط اقتصادية هائلة على الاقتصاد العالمي، بما في ذلك أوروبا وآسيا، وهو ما سينعكس بدوره على القرار السياسي في واشنطن. وأضاف أن الضربة العسكرية قد تكون محدودة زمنياً، لكن آثارها الاقتصادية قد تستمر لفترات طويلة.
قيود الضربة الاستباقية
وأشار إلى أن الولايات المتحدة تعتمد على عنصر المفاجأة والتفوق التكنولوجي، لكن قدرة إيران على الرد السريع تقلل من فعالية هذا التفوق. وأوضح أنه لا يمكن لواشنطن ضمان منع الرد الإيراني بالكامل، بل يمكنها فقط تقليصه أو احتواؤه.
وأضاف أن هذا الواقع يجعل أي مواجهة محفوفة بالمخاطر، لأن الضربة التي لا تحقق أهدافها بالكامل قد تؤدي إلى نتائج عكسية. وأكد أن عدم القدرة على تحييد الرد الإيراني يمثل عاملاً رئيسياً في حسابات القرار الأمريكي.
هاجس البرنامج النووي
وأكد أتاجان أن اقتراب إيران من امتلاك القدرة النووية، حتى دون إعلان رسمي، يزيد من تعقيد الحسابات الأمريكية. وأوضح أن أي ضربة لا تنجح في إنهاء البرنامج النووي بشكل كامل قد تدفع طهران إلى تسريع تطويره بدلاً من إيقافه.
وأشار إلى أن هذا السيناريو قد يحول الضربة العسكرية من وسيلة لمنع التهديد إلى عامل محفز لتسريعه. وأضاف أن هذا الاحتمال يمثل أحد أخطر التحديات التي تواجه صناع القرار في واشنطن.
انتصار مكلف
وشدد أتاجان على أن واشنطن تدرك أنها قد تحقق تفوقاً عسكرياً في أي مواجهة، لكنها قد تدفع ثمناً سياسياً واقتصادياً باهظاً. وأوضح أن إيران لا تراهن على هزيمة الولايات المتحدة، بل على استنزافها ورفع كلفة الحرب إلى مستوى يجعل الانتصار نفسه عبئاً.
وختم بالتأكيد على أن التردد الأمريكي لا يعكس ضعفاً عسكرياً، بل يعكس إدراكاً لطبيعة الحرب المحتملة، التي قد تتحول إلى مواجهة طويلة متعددة الجبهات. وأشار إلى أن مثل هذه الحروب لا تُحسم فقط بالقوة، بل بقدرة الأطراف على الصمود وتحمل الكلفة.

