أكاديمي فلسطيني: الانتقال من إدارة الصراع إلى فرض السيادة يكشف استراتيجية الضم الإسرائيلية

أكد الدكتور أسعد العويوي، أستاذ القضية الفلسطينية في جامعة القدس، أن سياسة الاحتلال الإسرائيلي تجاه الأراضي الفلسطينية تشهد تحولاً جذرياً من نهج "إدارة الصراع" إلى محاولة فرض السيادة الكاملة وخلق واقع دائم على الأرض. وأوضح أن هذا التحول يعكس انتقالاً من سياسة ضبط النزاع أمنياً إلى استراتيجية تهدف إلى حسمه ميدانياً عبر إجراءات أحادية الجانب.
وأشار إلى أن الاحتلال اعتمد منذ عام 1967 على إدارة الصراع دون حسمه سياسياً، عبر إبقاء الملفات الجوهرية مؤجلة للمفاوضات، مع الحفاظ على السيطرة العسكرية. وأضاف أن هذا النهج سمح للاحتلال بتوسيع نفوذه تدريجياً دون تحمل كلفة إعلان الضم رسمياً. ولفت إلى أن المرحلة الحالية تمثل تحولاً نوعياً نحو تثبيت السيادة الفعلية وليس مجرد إدارتها مؤقتاً.
أوسلو وتكريس السيطرة
وأوضح العويوي أن اتفاقيات منظمة التحرير الفلسطينية مع الاحتلال في تسعينيات القرن الماضي شكلت ذروة نهج إدارة الصراع، حيث تم إنشاء السلطة الفلسطينية وتقسيم الضفة الغربية إلى مناطق "أ" و"ب" و"ج". وأكد أن هذا التقسيم منح الاحتلال سيطرة كاملة على المنطقة «ج»، التي تشكل أكثر من 60% من مساحة الضفة الغربية، ما أتاح له التحكم الكامل في الأرض والموارد.
وأضاف أن الاحتلال استغل هذا الواقع لتكريس مشروعه الاستيطاني، حيث تواصل التوسع الاستيطاني بوتيرة متسارعة، خاصة في المناطق الحيوية استراتيجياً. وأشار إلى أن هذا التوسع أدى إلى تفتيت الجغرافيا الفلسطينية وتقويض إمكانية إقامة دولة فلسطينية متصلة جغرافياً. وشدد على أن هذا المسار حوّل المفاوضات إلى غطاء لاستمرار السيطرة وليس لإنهائها.
نتنياهو وخطط الضم
وأشار العويوي إلى أن التحول الأبرز ظهر خلال حكومات اليمين بقيادة بنيامين نتنياهو، التي طرحت صراحة مشاريع ضم أجزاء واسعة من الضفة الغربية، خاصة منطقة الأغوار ذات الأهمية الاستراتيجية. وأوضح أن هذه التوجهات تعززت خلال خطة السلام التي طرحتها إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عام 2020، والتي وفرت غطاءً سياسياً لمشروع الضم.
وأكد أن تعليق إعلان الضم رسمياً لم يوقف تنفيذه فعلياً على الأرض، حيث استمرت سياسات توسيع المستوطنات ومنح صلاحيات مدنية أوسع لوزراء اليمين داخل الإدارة العسكرية. وأضاف أن هذه الإجراءات تمثل شكلاً من أشكال فرض السيادة التدريجي دون إعلان قانوني رسمي. ولفت إلى أن الهدف هو خلق واقع لا يمكن التراجع عنه مستقبلاً.
القدس نموذج الضم
وأوضح العويوي أن القدس الشرقية تمثل النموذج الأوضح لسياسة فرض السيادة، حيث أعلن الاحتلال ضمها عام 1980 عبر قانون أساس اعتبر المدينة "عاصمة إسرائيل". وأكد أن هذا القرار لا يحظى بأي اعتراف دولي، حيث يعتبر المجتمع الدولي المدينة أرضاً محتلة وفق قرارات الأمم المتحدة.
وأشار إلى أن الاحتلال عمل منذ ذلك الحين على تغيير الطابع الديمغرافي والجغرافي للمدينة عبر الاستيطان والتهويد. وأضاف أن القدس تمثل جوهر الصراع، نظراً لمكانتها السياسية والدينية والوطنية للشعب الفلسطيني. وشدد على أن فرض السيادة فيها يمثل محاولة لحسم الصراع من جانب واحد.
تهديد حل الدولتين
وأكد العويوي أن المجتمع الدولي لا يزال يعتبر الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، أراضي محتلة، وأن الاستيطان يمثل انتهاكاً واضحاً للقانون الدولي واتفاقية جنيف الرابعة. وأضاف أن الاحتلال يرفض هذا التوصيف ويتمسك بروايات أمنية وتاريخية لتبرير سياساته.
وأشار إلى أن التحول نحو فرض السيادة يعكس استراتيجية تهدف إلى إنهاء إمكانية قيام دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة حقيقية. وأوضح أن تثبيت الوقائع على الأرض يهدف إلى فرض حل أحادي الجانب بدلاً من التوصل إلى تسوية تفاوضية. وختم بالتأكيد على أن الصراع يدخل مرحلة أكثر خطورة، في ظل سعي حكومة اليمين إلى إعادة رسم الواقع الجغرافي والسياسي بما يخدم مشروعها الاستيطاني طويل المدى.

