باحث: تسلل المستوطنين إلى غزة تمهيد استيطاني برعاية نتنياهو

حذر الباحث في الشأن الإسرائيلي الدكتور محمد خليل مصلح، من أن تسلل مجموعات من المستوطنين إلى قطاع غزة خلال وضح النهار، وإعادتهم لاحقاً بواسطة جيش الاحتلال، لا يمثل حادثاً أمنياً عابراً، بل يعكس استراتيجية سياسية وعسكرية مدروسة لإعادة تشكيل الواقع الجغرافي والقانوني للقطاع.
وأوضح مصلح، في تصريحات لـ"النهار"، أن هذه السياسة تهدف إلى نقل نموذج الاستيطان المطبق في الضفة الغربية إلى غزة بوتيرة متسارعة، مستفيدة من تداعيات الحرب وحالة الفراغ السياسي القائمة.
وأكد مصلح أن هذه الظاهرة تكشف تحولاً في سلوك الاحتلال من نمط السيطرة الخارجية والحصار إلى نمط التدخل الداخلي المباشر، بما يمهد لإعادة إنتاج السيطرة الاستيطانية على الأرض. وأضاف أن هذا التحول يجري ضمن مسار تدريجي يهدف إلى فرض وقائع جديدة تجعل الوجود الاستيطاني أمراً اعتيادياً بمرور الوقت، بما يؤدي إلى تآكل فكرة السيادة الفلسطينية على القطاع.
تدجين تدريجي للقطاع
وأشار مصلح إلى أن ما يجري يندرج ضمن ما وصفه بـ"الجغرافيا السياسية للاحتلال"، حيث يعتمد الاحتلال على أدوات متعددة لإعادة تشكيل الفضاء الفلسطيني. وأوضح أن هذه الأدوات تشمل التطبيع النفسي للوجود الاستيطاني عبر تكرار عمليات التسلل، بما يفقد المجتمع الدولي عنصر الصدمة ويحول الانتهاك إلى واقع مألوف.
وأضاف أن الاحتلال يعتمد أيضاً على التدرج القانوني، من خلال تحويل عمليات التسلل من حوادث فردية إلى ظاهرة متكررة، ثم إلى ذريعة لاتخاذ إجراءات دائمة، بما يمنح هذه الممارسات غطاءً قانونياً زائفاً. وأكد أن هذا النهج استغرق عقوداً لترسيخه في الضفة الغربية، لكنه يُطبق حالياً في غزة بوتيرة متسارعة مستغلاً الظروف الاستثنائية التي أعقبت حرب أكتوبر 2023.
توزيع أدوار الاحتلال
وأوضح الباحث أن عمليات التسلل لا تتم بصورة عشوائية، بل ضمن منظومة أدوار متكاملة بين المستوطنين والمؤسسة العسكرية والقيادة السياسية الإسرائيلية. وأشار إلى أن المستوطنين يتحركون كأدوات غير رسمية لخلق وقائع ميدانية دون تحمل الدولة مسؤولية مباشرة، فيما يتولى الجيش إعادتهم لإظهار صورة "الضبط الأمني" أمام المجتمع الدولي.
وأضاف أن القيادة السياسية تمارس سياسة غض الطرف أو الإدانة الشكلية، بينما تستفيد فعلياً من نتائج هذه العمليات لتعزيز مشروعها الاستيطاني. ولفت إلى أن إعادة المستوطنين بعد تسللهم لا تعني فشل العملية، بل تمثل جزءاً من آلية مدروسة تهدف إلى تسجيل الحادث دون إثارة ردود فعل دولية حادة، مع إبقاء الباب مفتوحاً لتكرار السيناريو لاحقاً.
أهداف عسكرية مباشرة
وأكد مصلح أن هذه العمليات تحقق أهدافاً عسكرية واستخباراتية متعددة للاحتلال، من بينها اختبار ردود فعل المقاومة ورصد نقاط الضعف الميدانية. وأضاف أن التسلل يسهم أيضاً في كسر الحاجز النفسي المرتبط بانسحاب الاحتلال من غزة عام 2005، وإعادة تكريس فكرة إمكانية العودة الميدانية إلى القطاع.
وأشار إلى أن الاحتلال يستخدم هذه الحوادث لتبرير تنفيذ عمليات تمشيط وتوسيع المناطق العازلة، بما يعزز وجوده العسكري ويمنحه مبررات إضافية للتدخل. وأكد أن هذه السياسة تمثل جزءاً من مسار أوسع لإعادة تثبيت السيطرة الإسرائيلية على القطاع بشكل تدريجي.
استنساخ نموذج الضفة
وأوضح الباحث أن ما يجري في غزة يمثل استنساخاً متعمداً لنموذج السيطرة في الضفة الغربية، لكن بوتيرة زمنية أسرع. وأضاف أن الاحتلال بدأ في الضفة عبر بؤر استيطانية محدودة تحولت لاحقاً إلى مستوطنات واسعة، بينما يسعى في غزة إلى بدء المسار عبر عمليات تسلل فردية تمهيداً لشرعنتها تدريجياً.
وأشار إلى أن الاحتلال يسعى إلى فرض واقع جديد قائم على السيطرة الأمنية الكاملة دون تحمل المسؤوليات الإدارية، بما يفتح الباب أمام ترتيبات إدارة دولية للسكان مع بقاء السيطرة الفعلية بيد إسرائيل. واعتبر أن هذا النموذج يهدف إلى تحقيق احتلال منخفض الكلفة سياسياً واقتصادياً بالنسبة للاحتلال.
توظيف سياسي داخلي
وأكد مصلح أن رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو يوظف هذه الظاهرة ضمن صراعاته السياسية الداخلية، من خلال إرسال رسائل متوازنة لمختلف التيارات الإسرائيلية. وأوضح أن نتنياهو يسعى إلى إرضاء التيارات الاستيطانية عبر السماح بخلق وقائع ميدانية، وفي الوقت ذاته تقديم الجيش كجهة ضابطة للأمن أمام الرأي العام.
وأضاف أن هذه السياسة تسمح لنتنياهو بنسب أي نجاح ميداني لنفسه، وتحميل المؤسسة العسكرية مسؤولية أي إخفاق، بما يحولها إلى أداة لتنفيذ أهداف سياسية. وأكد أن الهدف النهائي يتمثل في فرض واقع "التجميد"، أي السيطرة الأمنية الكاملة دون إعلان ضم رسمي، بما يحقق مكاسب استراتيجية دون تحمل تبعات قانونية مباشرة.
سيناريوهات المرحلة القادمة
وأشار الباحث إلى أن استمرار هذه السياسة قد يقود إلى إنشاء بؤر استيطانية فعلية داخل غزة، خاصة في ظل ضعف الردع الدولي. وأضاف أن سيناريو "التجميد" يمثل الاحتمال الأكثر ترجيحاً، من خلال فرض سيطرة أمنية طويلة الأمد دون إعلان رسمي للضم.
وأوضح أن احتمال اندلاع مواجهة عسكرية واسعة يبقى قائماً، لكنه يعتمد على طبيعة رد المقاومة الفلسطينية. واختتم مصلح بالتأكيد أن عمليات التسلل تمثل شكلاً من أشكال الحرب الجغرافية التي تستهدف إعادة تشكيل القطاع تدريجياً، بما يمهد لفرض واقع استيطاني جديد على الأرض الفلسطينية.

