دلالات استحداث منصب نائب وزير الخارجية للشؤون الأفريقية في التشكيل الحكومي الأخير

قالت نسرين الصباحي، باحث أول بوحدة الدراسات الأفريقية بالمركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية، إن استحداث منصب نائب وزير الخارجية للشؤون الأفريقية في التشكيل الحكومي الأخير يحمل دلالات سياسية ومؤسسية تعكس تحولاً نوعيًا في مقاربة مصر لملف القارة الأفريقية؛ إذ لم يعد الاهتمام بأفريقيا مقتصرًا على الخطاب الدبلوماسي أو التحركات الظرفية، بل بات جزءًا من بنية صنع القرار داخل وزارة الخارجية. ويشير هذا التطور إلى إدراك متزايد لتعقد وتشابك الملفات الأفريقية المرتبطة بالمصالح المصرية، الأمر الذي استدعى وجود مسؤول رفيع يتفرغ لإدارتها ومتابعتها بصورة أكثر تخصصًا واستمرارية.
وأضافت في تصريحات خاصة لـ «النهار»، أن هذا التوجه يعكس سعي الدولة المصرية إلى نقل التوجه الأفريقي من كونه إطارًا سياسيًا عامًا إلى مسار مؤسسي أكثر تنظيمًا ووضوحًا، يتيح تحديد أولويات التحرك داخل القارة بفاعلية أكبر، سواء من خلال الانخراط في عمل الاتحاد الأفريقي والتكتلات الإقليمية، أو عبر توسيع نطاق الشراكات الثنائية مع الدول الأفريقية. كما يوفر استحداث هذا المنصب مستوى أعلى من التنسيق في الملفات المتداخلة، وفي مقدمتها الأمن الإقليمي، والتنمية، والهجرة، والتجارة، وهي قضايا ترتبط ارتباطًا وثيقًا باعتبارات الأمن القومي المصري ومصالحه الاستراتيجية.
وأوضحت أن هذا القرار يأتي في ظل بيئة إقليمية تتسم بدرجة عالية من التعقيد والاضطراب، لا سيما في مناطق القرن الأفريقي والبحر الأحمر والساحل الأفريقي؛ حيث يتصاعد التنافس الدولي وتتداخل الاعتبارات الأمنية مع المصالح الاقتصادية وحماية ممرات الملاحة. وفي هذا السياق، يعكس استحداث منصب قيادي معني بهذه الدوائر توجهًا نحو تعزيز القدرة المؤسسية على مواكبة التحولات المتسارعة، ورفع كفاءة التعامل مع الأزمات المحتملة، إلى جانب دعم أدوار الوساطة والمساهمة بفاعلية في جهود تسوية النزاعات وترسيخ الاستقرار الإقليمي.
وأكدت أنه لا ينفصل هذا التوجه عن مسار أوسع شهدته السياسة الخارجية المصرية خلال السنوات الأخيرة، اتسم بتكثيف الزيارات الرسمية، وتوسيع مجالات التعاون، ورفع مستوى التنسيق السياسي والأمني مع عدد من الدول الأفريقية، لا سيما دول حوض النيل والقرن الأفريقي. ويعكس ذلك قناعة متنامية بأن العمق الأفريقي يمثل أحد المرتكزات الرئيسية لحماية المصالح الاستراتيجية، وفي مقدمتها قضايا الأمن المائي والاستقرار الإقليمي، وفي الوقت ذاته، يمكن تفسير استحداث هذا المنصب في إطار تبني نهج متعدد المسارات لا يقتصر على أدوات الدبلوماسية التقليدية، بل يمتد إلى تعزيز الحضور المصري داخل المؤسسات القارية، لاسيما تلك المعنية بالحوكمة وحقوق الإنسان وبناء القدرات. ويعكس تنوع قنوات الانخراط توجهًا يستهدف ترسيخ موقع مصر كشريك فاعل ومؤثر داخل المنظومة الأفريقية، لا مجرد مراقب لتفاعلاتها.

