النهار
جريدة النهار المصرية

رياضة

بالمستندات.. زلزال في نادي الزهور: ”فائض وهمي” يستر عجز الـ 100 مليون.. وشيكات من القرن الماضي تلاحق مجلس الإدارة

نادي الزهور
مها الصباحي -

كشف تقرير رسمي صادر عن الإدارة المركزية للرقابة والمعايير بوزارة الشباب والرياضة، حول المراجعة المالية عن العام المالي المنتهي في 30 يونيو 2024 داخل نادي الزهور الرياضي، عن سلسلة من المفاجآت الصادمة التي تعكس حالة من التخبط الإداري والارتباك المالي، مما ينذر بكارثة حقيقية تهدد استقرار واحد من أعرق الأندية المصرية، ويضع علامات استفهام كبرى حول آلية إدارة الملفات المالية داخل النادي.

ورصد التقرير مشهد الفوضى المحاسبية الممنهجة الذي حوّل الدفاتر إلى مستودع لأرصدة مدينة معطلة وأوراق قبض سقطت بالتقادم القانوني، في خرق صارخ للائحة المالية، وأن بقاء مبالغ ضخمة تحت بند "المدينون" دون تسوية، وتجميد أكثر من 15 مليون جنيه كتأمينات للغير دون استرداد، مع تعمد تحميل الميزانية بمصروفات تخص سنوات سابقة بقيمة 1.37 مليون جنيه، لم يكن مجرد تقاعس إداري، بل هو تجاوز متعمد لمبادئ الموازنة التقديرية واستقلال السنوات المالية، الأمر الذي أدى لتكبيد خزينة النادي غرامات تأخير باهظة ومستحقات تأمينية مهدرة، ما يجعل المركز المالي المعلن غير معبر عن الحقيقة ويستوجب المساءلة القانونية العاجلة.

​أرصدة تائهة وشيكات من القرن الماضي

​أبرز ما جاء في التقرير هو تجميد مبالغ طائلة تحت بند الدفعات المقدمة لم يتم تسويتها بلغت 813 ألف جنيه، منها مبالغ تعود لسنوات سابقة لم تُحمل على المصروفات بالمخالفة للائحة المالية، والأخطر من ذلك بقاء أوراق قبض "شيكات" ضمن الميزانية بقيمة تقترب من مليون جنيه، بعضها يعود لعام 1998، وهذه الشيكات فقدت قيمتها القانونية بمرور زمن التقادم، إلا أن إدارة النادي ما زالت تدرجها كأصول، مما يضلل الحساب الختامي عن حقيقة المركز المالي.

​لغز الـ 100 مليون جنيه.. فائض "وهمي"

​وبينما تفتخر الإدارة بوجود فائض مالي، فجّر التقرير مفاجأة من العيار الثقيل، حيث أكد وجود انحرافات بين المصروفات والايرادات الفعلية المدرجة بالحسابات الختامية، وأن الفائض المزعوم ليس نتاج تشغيل أو استثمار ناجح لأصول النادي، بل هو نتاج تبرعات واشتراكات العضويات الجديدة التي بلغت 154 مليون جنيه، وبحسبة بسيطة أوضح التقرير أنه في حال استبعاد بند العضويات الجديدة، سيواجه النادي عجزا تشغيليا مرعبا يتجاوز 100 مليون جنيه، مما يضع النادي في مهب أزمة سيولة حادة بمجرد توقف العضويات الجديدة.

​الضرائب والتأمينات.. غرامات تطارد أموال الأعضاء

​وفي واقعة تعكس تقاعسا إداريا، كشفت المستندات عن عدم توريد مستحقات الدولة من الضرائب (كسب عمل، قيمة مضافة، عقارية) بمبلغ تجاوز 2.8 مليون جنيه رغم تحصيلها بالفعل من الأعضاء، كما أن النادي لم يسدد تأمينات اجتماعية بمبلغ 754 ألف جنيه، مما يحمل ميزانية النادي غرامات تأخير باهظة كان من الممكن تجنبها.

ملايين مُجمدة في مخازن النادي.. وإدارة خارج نطاق الرقابة ​

وتحت وطأة الإهمال الإداري وغياب الرؤية الفنية، تكشفت واقعة حبس أموال عامة خلف أبواب المخازن الموصدة، حيث كشف فحص ميزانية عام 2024 عن تراكم مخزون راكد تخطت قيمته 4.1 مليون جنيه، هذا الرقم فاتورة إهدار لأصناف تتنوع بين ملابس رياضية وأدوات كهربائية ومطبوعات، تم شراؤها دون دراسة احتياج حقيقية، في مخالفة صارخة لـ قانون التعاقدات رقم 182 لسنة 2018، لتبقى هذه الأصناف عُرضة للتلف والتقادم بدلا من استغلالها في أنشطة النادي، وهو ما رصده التقرير ووصفه بالفوضى المخزنية، فلا وجود لمخازن مستقلة للمرتجعات أو الكهنة، ولا أثر لبطاقات الصنف التي تحدد مستويات الطلب، في ظل غياب تام لدورة مستندية تضبط حركة الأصناف المستديمة والمرتجعة، مما يضع علامات استفهام كبرى حول آلية اتخاذ قرار الشراء والجهة المستفيدة من هذا التكديس غير المبرر، وأيضا هناك عدم الالتزام بإجراءات الجرد الفعلي الأصول الثابتة بالنادي، وقيام ادارة المخازن بالنادي بإجراء عملية الجرد داخل سجل غير مختوم أو معتمد، كما قام مسؤولو النادي بابرام معظم التعاقدات بالأمر المباشر، واعتماد النادي في جميع عمليات المشتريات والتوريدات والمقاولات وأعمال الصيانة على الاتفاق المباشر وعدم اجراء مناقصه عامة أو محدودة.

عضويات الأمر الواقع وجباية التبرعات

وفي شؤون العضوية أوضح التقرير عدم التزام النادي بتطبيق بنود اللائحة المالية حيث تم الموافقة على قبول عضويات جديدة بفرع النادي بالتجمع بدون موافقة الجمعية العمومية واعتماد الجهة الإدارية المختصة والمركزية، بالإضافة إلي اتخاذ مجلس الإدارة قرارا بتحصيل مبلغ 50 جنية سنويا من الأعضاء مضافا لرسم التجديد السنوي، لإنشاء صندوق للعاملين التي تقل مرتباتهم عن 2000 جنية كتبرع، وذلك دون أخذ موافقة الجهة الإدارية المركزية والجهات المختصة بالمخالفة للقانون، وتم بدء التحصيل من أول يوليو 2020، كما تبين أن ادارة النادي قامت علي خلاف القانون بازدواجية التحصيل علي صندوقين للعاملين لنفس الغرض وبتحصيل مبالغ مالية من الأعضاء كتبرع إجباري دون سند ودون الحصول علي الموافقات من الجهات المنوط بها اصدار الموافقات، والجهة الادارية المختصة والمركزية، وكذلك أكد التقرير عدم قيام ادارة النادي باتخاذ الاجراءات اللازمة لإسقاط عدد 484 عضو بالنادي الرئيسي وفرع التجمع الخامس لعدم سدادهم الاشتراكات السنوية لمده أكثر من 5 سنوات، بالمخالفة لأحكام المادة (55) من اللائحة المالية للهيئات الرياضية 159 لسنة 2021.

مقامرة بالأرواح وتبديد لأموال الدولة

وكشفت المستندات أن النادي يمارس نشاطه دون لائحة صحية أو منظومة رسمية للمنشطات معتمدة من الجمعية العمومية والجهة الإدارية، وهو ما يمثل مقامرة صريحة بسلامة اللاعبين ومسيرتهم المهنية، ويجرد الإشراف الطبي من غطائه الشرعي الإلزامي، ​ولم يتوقف النزيف القانوني عند الملف الطبي فحسب، بل امتد ليمس الخزانة العامة للدولة، حيث ضرب النادي عرض الحائط بالقانون ممتنعاً عن تحصيل وتوريد رسم تنمية الموارد المالية المستحق على عقود اللاعبين والأجهزة الفنية المصريين والأجانب، وهي مبالغ سيادية تتصاعد نسبتها لتصل إلى 10% في العقود الكبرى، مما يضع النادي في مواجهة مباشرة مع مصلحة الضرائب والجهات الرقابية بتهمة التقاعس عن تحصيل أموال الدولة، فضلا عن لغز المخصصات، حيث تم استقطاع مبلغ 200 ألف جنيه من إيرادات النادي تحت بند مخصص قضايا ومطالبات دون أي سند قانوني أو دراسة حقيقية، هذا الإجراء الذي وصفه المراقبون بالاستنزاف المالي غير المبرر، تم دون توضيح من المستشار القانوني أو مبرر من الإدارة المالية، وبالمخالفة للمعايير المحاسبية التي تمنع تكوين مخصصات مالية وهمية لا تستند إلى التزامات فعلية أو أحكام قضائية.

عمالة بلا حماية وسُلف خارج السيطرة

​وعلى الصعيد الإداري، رصد التقرير حالة تكدس النادي بالعمالة، ووجود 215 عاملا غير مؤمن عليهم، في مخالفة صريحة لقانون العمل والتأمينات، كما كشفت المراجعة عن فوضى في صرف السلف المؤقتة، حيث تم صرف أكثر من سلفة لنفس الأشخاص في وقت واحد دون تسوية السلف السابقة، وبأرقام شيكات متتالية، مما يضرب بمبادئ الرقابة المالية عرض الحائط.

وفي الوقت الذي ينتظر فيه أعضاء النادي إرساء قيم الشفافية، تفتح ملفات القضية رقم 6197 لسنة 2022 أبوابا مواربة على واقعة اختلاس وتزوير هزت قسم العضوية والاشتراكات، حيث ما زال المتهمون خلف القضبان يصارعون اتهامات التلاعب بإيصالات التحصيل، بينما تقف الإدارة المحاسبية مشلولة الأيدي عن إثبات العجز المالي في الدفاتر بحجة انتظار حكم القضاء. ​

وانتهى التقرير بتوصيات حاسمة تطالب بمساءلة المدير المالي والمدير التنفيذي وأعضاء مجلس إدارة نادي الزهور عن هذه المخالفات الجسيمة، وأيضا سرعة اتخاذ إجراءات قانونية لتحصيل مستحقات النادي المتأخرة والتي بلغت مئات الآلاف من إيجارات الكافتيريات بفرعي مدينة نصر والتجمع الخامس بسبب تراخى إدارة النادي في اتخاذ الاجراءات القانونية اللازمة حيال تحصيل هذه المديونيات.

​ويبقى السؤال، هل يتدخل كابتن جوهر نبيل وزير الشباب والرياضة، لإنقاذ نادي الزهور من نفق المخالفات المظلم؟ أم تظل أموال الأعضاء نهبا للتقاعس الإداري؟