النهار
جريدة النهار المصرية

عربي ودولي

باحث: الانكماش والردع العميق يكشفان إعادة تموضع إيران الاستراتيجي لتجنب الانهيار والمواجهة المباشرة

إيران وترامب
عبدالرحمن كمال -

قال الباحث في الشأن الإيراني محمد خليل مصلح إن إيران تواجه في المرحلة الراهنة حالة من الانكماش الاقتصادي والسياسي نتيجة العقوبات التي تفرضها الولايات المتحدة والدول الغربية، إلى جانب التحديات الداخلية والاستنزاف المستمر لمواردها. وأشار إلى أن هذه الضغوط المتراكمة دفعت طهران إلى تبني سياسات أكثر حذرًا، تهدف إلى الحفاظ على استقرارها الداخلي وتقليل المخاطر التي قد تهدد أمنها القومي.

وأوضح "مصلح"، في تصريحات لـ"النهار"، أن الاقتصاد الإيراني يعاني من تراجع واضح بسبب العقوبات وانخفاض عائدات النفط وارتفاع معدلات التضخم، وهو ما قلّص قدرة الدولة على تمويل أنشطتها العسكرية والدبلوماسية بنفس الوتيرة السابقة. وأضاف أن هذا الواقع دفع صناع القرار الإيرانيين إلى تقليل الانخراط المباشر في الأزمات الخارجية، واعتماد سياسات تهدف إلى احتواء الضغوط بدلًا من التصعيد.

وأكد أن هذا التوجه يعكس ما وصفه بـ"الانكماش الدفاعي"، وهو نهج يسمح لإيران بالحفاظ على موقعها ضمن معادلات الصراع الإقليمي، دون الانجرار إلى مواجهات مباشرة قد تكون مكلفة أو غير محسوبة النتائج.

نظرية القنفذ والردع

وأوضح مصلح أن إيران تعتمد في سياستها الخارجية والأمنية على ما يُعرف بـ"نظرية القنفذ"، وهي نظرية تقوم على التركيز العميق على مصدر قوة مركزي، بدلًا من توزيع القدرات على مجالات متعددة بشكل مشتت. ولفت إلى أن هذه النظرية تتجلى بوضوح في تركيز إيران على تطوير قدراتها الصاروخية والنووية باعتبارها الركيزة الأساسية لمنظومة الردع.

وأضاف أن طهران تحافظ على تطوير برنامجها النووي بشكل محسوب، بحيث يحقق أهداف الردع دون الوصول إلى مستوى التصعيد المباشر الذي قد يؤدي إلى مواجهة شاملة. واعتبر أن هذا التوازن يعكس إدراكًا إيرانيًا لحساسية البيئة الدولية وحدود قدرتها على تحمل مواجهة مفتوحة.

كما أشار إلى أن إيران تعتمد بشكل واسع على حلفائها الإقليميين في فلسطين ولبنان والعراق واليمن، باعتبارهم أدوات نفوذ تسمح لها بتوسيع تأثيرها دون التورط المباشر. وأوضح أن هذه الاستراتيجية تمنح إيران قدرة على التأثير في موازين القوى الإقليمية مع تقليل المخاطر التي قد تترتب على المواجهة المباشرة.

إدارة النفوذ والتوازن

وأكد أن الاستراتيجية الإيرانية تشمل أيضًا التركيز على السيطرة على المجالات الاستراتيجية، مثل طرق الإمداد ومناطق النفوذ الحيوية، بما يسمح لها بالحفاظ على موقعها ضمن معادلات القوة الإقليمية. وأضاف أن إيران تسعى في الوقت ذاته إلى الحفاظ على علاقات متوازنة مع قوى دولية كبرى مثل روسيا والصين، بهدف تقليل آثار العزلة الدولية.

وأوضح أن هذا التوجه يعكس محاولة لتحقيق توازن استراتيجي بين الطموحات الإيرانية والقيود التي تفرضها البيئة الدولية، خاصة في ظل استمرار العقوبات والضغوط الغربية. واعتبر أن هذه السياسة تمثل جزءًا من استراتيجية تهدف إلى إدارة الصراع بدلًا من حسمه.

تكتيك لا تراجع

وأشار مصلح إلى أن هناك جدلًا بين المراقبين حول ما إذا كان الانكماش الإيراني يعكس حالة ضعف أم يمثل تكتيكًا محسوبًا لإعادة ترتيب الأولويات. وأوضح أن هذا النهج يسمح لإيران بالحفاظ على قدراتها الأساسية، خاصة في المجالين النووي والصاروخي، مع تقليل مستوى الاستنزاف.

وأضاف أن هذه الاستراتيجية تمنح إيران قدرة على الصمود في مواجهة الضغوط، لكنها في المقابل قد تحد من قدرتها على تحقيق مكاسب إقليمية جديدة. ولفت إلى أن هذا الواقع يجعل السياسة الإيرانية تركز على الحفاظ على المكتسبات الحالية بدلًا من التوسع.

دمج الانكماش والتركيز

وأكد أن إيران تعتمد على دمج استراتيجية الانكماش مع "نظرية القنفذ"، بما يسمح لها بالتركيز على عناصر القوة الأساسية، وتقليل الانخراط في مواجهات مباشرة. وأوضح أن هذا النهج يسمح بتوجيه الموارد نحو تطوير القدرات التكنولوجية والعسكرية بدلًا من استنزافها في صراعات مفتوحة.

وأضاف أن هذا الأسلوب يتيح لإيران الحفاظ على موقعها ضمن معادلة الردع الإقليمي، دون الدخول في مواجهات قد تهدد استقرارها الداخلي. وأشار إلى أن هذه السياسة تعكس تحولًا نحو إدارة أكثر براغماتية للموارد والتهديدات.

استراتيجية تكيف وبقاء

واختتم مصلح تصريحه بالتأكيد أن إيران تتبنى استراتيجية متكاملة تقوم على التكيف مع الضغوط واحتواء التهديدات، عبر تجنب المواجهات المباشرة والتركيز على أدوات الردع غير المباشر. وأوضح أن هذا النهج يعكس محاولة لتحقيق توازن بين الحفاظ على الأمن القومي وتجنب المخاطر الوجودية.

وأشار إلى أن هذه الاستراتيجية تعكس تحولًا في طريقة إدارة إيران لصراعاتها، حيث أصبحت أكثر تركيزًا على حماية قدراتها الأساسية، وضمان استمرار نفوذها، دون الانجرار إلى مواجهات قد تكون نتائجها غير مضمونة.