في ضيافة ”النهار”.. السفير عاطف سالم يكشف خبايا الداخل الإسرائيلي

في إطار حرص جريدة النهار على استضافة القامات الوطنية والدبلوماسية التي عملت في مراحل مفصلية من تاريخ الدولة المصرية، استقبلت الجريدة السفير عاطف سالم، أحد أبرز السفراء الذين خدموا في تل أبيب، والذي لم يكن "سفيراً مكتبياً"، بل "سفيراً ميدانياً" احتك بالمجتمع الإسرائيلي، وتجول في مدنه، وقرأ تاريخه، وفكك عقيدته السياسية والدينية من الداخل. وهو ما يمثل قيمة السفير الحقيقي الذي يمثل مصر في أخطر دول العالم.
وخلال لقاء مطول اتسم بالصراحة والعمق، كشف السفير عن رؤيته لطبيعة الدولة الإسرائيلية، وآليات صنع القرار فيها، وخطط التهجير، وموازين القوى الداخلية، ومستقبل الصراع، مؤكداً أن "هناك اتفاقية سلام مع الجانب الإسرائيلي، ولكن هذا يدفعنا للاستعداد للحرب".
الجذور الفكرية للدولة.. من "يوسف ناسي" إلى "هرتزل"
استهل السفير حديثه بالتأكيد على أن فهم إسرائيل لا يمكن أن يتم دون فهم بعدها الديني والتاريخي، موضحاً أنه عاد في دراسته إلى القرن السادس عشر، إلى زمن "يوسف ناسي" الذي عاش في الدولة العثمانية وكان مقرباً من السلطان، وطرح فكرة إقامة دولة لليهود في طبريا.
ثم انتقل إلي "ليون بينسكر" صاحب كتاب "التحرر الذاتي" ومؤسس جمعية "محبي صهيون" عام 1880، والتي كان من بين أعضائها "بن غوريون" الذي أصبح لاحقاً أول رئيس وزراء لإسرائيل. وشجع الناس على تعلم اللغة العبرية وفكرة الاستقلال.
أما المحطة الأبرز فكانت مع "تيودور هرتزل"، الذي عاش 44 عاماً فقط، لكنه أحدث ـ بحسب السفير ـ طفرة كبرى بكتابه "الدولة اليهودية" و"الأرض القديمة الجديدة"، واضعاً فكرتين أساسيتين، الأولي:"مشكلة اليهود ليست دينية بل وطنية"، والثانية :
"فكرة الدولة باعتبار أن الحل يكمن في إقامة دولة يهودية تتبناها قوة كبرى، وتكون محمية وسط العرب تمثل رأس حربة في المنطقة".
وأشار السفير إلى مؤتمرات بازل في سويسرا التي نجح هرتزل من خلالها في اكتساب تعاطف قادة الدول الكبرى آنذاك، وصولاً إلى زيادة أعداد اليهود في فلسطين من 10 آلاف في العهد العثماني إلى 650 ألفاً عام 1947، ومروراً بدور "هربرت صموئيل" أول وزير بريطاني يهودي طرح فكرة رأس الحربة البريطانية ثم "بلفور" ووعده الشهير الموجه للاتحاد الصهيوني البريطاني.
المجتمع الإسرائيلي.. تنظيم لا قوة ذاتية... عقول وعلماء وخطر البحث العلمي
أكد السفير عاطف سالم أن إسرائيل تضم عقولاً وعلماء وتهتم بالبحث العلمي، وأن ميزانيات البحث العلمي بالمليارات، مشدداً على أن:" الخطر الحقيقي بالنسبة لإسرائيل ليس في النفط بل في العلماء الذين يهددون وجودها".
ووصف إسرائيل بأنها "دولة منظمة وليست دولة قوية بذاتها"،موضحاً أن "الزراعة لا تتجاوز 1% من اقتصادها والصناعة لا تتجاوز 18% ولكن يعتمد 89% من اقتصادها على التكنولوجيا".مشيراً إلي أن معظم شركات التكنولوجيا شركات أمريكية وغربية تعمل في إسرائيل. وبدون الدعم الأمريكي والغربي ـ حسب تعبيره ـ "لن يكون لديهم الكثير".
74 تنظيماً متطرفاً.. و9 أنفاق تحت القدس
وفي سياق الحديث عن نفوذ الجماعات المتشددة، كشف السفير أن في إسرائيل 74 تنظيماً متطرفاً، من بينها تنظيم "فتية التلال" الذي أسسه أرييل شارون، ويهاجم الفلسطينيين ويدمر ممتلكاتهم. وأوضح أن 65% من هذه التنظيمات تتبنى أفكاراً مرتبطة بالهيكل وإقامته مكان المسجد الأقصى.
كما أشار إلى حفر 9 أنفاق حفرتها إسرائيل أسفل القدس الشرقية في إطار محاولات تهويد المدينة وإثبات وجود تاريخي يهودي في كل مكان، مؤكداً أن القدس بالنسبة لهم "معتقد وعقيدة". مستشهداً بطقس كسر العريس للكأس في نهاية حفل الزفاف، وحين سأل عن السبب قيل له إن العريس يفعل ذلك ويتعهد بحماية زوجته والاعتراف بالقدس عاصمة أبدية لهم.
الكتب الدينية والعقيدة
أوضح السفير أن الكتاب المقدس لديهم يسمى "التناخ" ويتكون من: التوراة (الأسفار الخمسة) ، نبييم (الأنبياء) وكتوبيم (المكتوبات)
ثم يأتي "التلمود" ويتكون من: المشناه (الشريعة الشفوية) ، الجمارا (شرح المشناه) ، وأوضح أن التلمود هو الذي ينظم حياتهم اليومية من زواج وطلاق وعبادات.
وأشار إلى أن الصلاة بشكلها الحالي لم تكن موجودة حتى القرن التاسع الميلادي، عندما وضع أحد الحاخامات في إسبانيا أول كتاب صلاة "السيدور".
الحياة الحزبية والقوانين الأساسية.. 113 حزباً و37 حكومة

في قراءة للنظام السياسي، أوضح السفير عاطف سالم أن:"إسرائيل تضم 113 حزباً سياسياً، ونسبة الحسم 3.25%، ما يمنع تشكيل حكومة منفردة ويفرض حكومات ائتلافية. وشهدت إسرائيل 37 حكومة حتى الآن، ومتوسط عمر الحكومة عام وتسعة أشهر".
وأشار إلى أن الحكومات العمالية التي حكمت من 1948 حتى 1977 (بن غوريون، غولدا مئير، إسحاق رابين) لا تختلف في الجوهر عن الحكومات اليمينية، ثم وصل حزب الليكود عام 1977 بقيادة مناحم بيجن وهو حزب يميني متطرف.
كما أوضح أن بيجن وضع "القوانين الأساسية" عام 1982، وعددها 15 قانوناً (منها قانون الجيش، قانون الرئاسة، قانون يهودية الدولة)، ومنح رئيس الوزراء صلاحيات واسعة جداً، في ظل غياب دستور مكتوب، مما جعله "ديكتاتوراً قانونياً" بتوصيفه.
الحاخامات… سلطة فوق السياسة تفوق رئيس الوزراء
رداً على سؤال حول نفوذ الحاخامات وما إذا كانت سلطة الحاخامات أعلى من السلطة السياسية؟ قال السفير: "نعم، هم شخصيات قوية جداً". وأوضح أن:" كبار الحاخامات من الأشكناز والسفارديم يمتلكون نفوذاً وسلطة تفوق سلطة رئيس الوزراء أحياناً، والجميع يخشى سلطتهم".
وضرب مثالاً بأن الحاخام يمكنه إغلاق مطعم إذا وجد خلطاً بين اللحم واللبن، لأن الطعام حينها لا يكون "كوشير" أي لا يطابق الشريعة اليهودية.
كما أشار إلى دعم "الحريديم" الذين يمثلون نحو 20% من القوة الانتخابية، ويدعمون بنيامين نتنياهو، ويرى بعض الحاخامات أنه قد يمهّد لتحقيق "المشياح" (المخلص المنتظر في العقيدة اليهودية الذي سيعيد بناء الهيكل ويوسّع أرض إسرائيل).
نتنياهو.. أزمات قانونية وخيارات عسكرية

أكد السفير عاطف سالم أن بنيامين نتنياهو يواجه مشكلات قانونية كبيرة، ويحاول الخروج منها عبر تعديلات قضائية وقوانين تمنع عزله، وأنه يرى نفسه قادراً على استكمال الفكرة الصهيونية، بدعم من المجتمع الأمريكي.
وأشار إلى علاقته القوية بالرئيس الأمريكي ترامب، وإلى "اتفاقيات أبراهام" التي قامت على فكرة التعايش بين الأديان الثلاثة تحت مسمى "الإبراهيمية".
وكشف أن نتنياهو جهز منذ 17 عاماً فرقة أمنية خاصة لضرب إيران، وأنه حاول مرتين ولم ينجح، ويرى في وجود ترامب فرصة ثالثة، بل إن إسرائيل هددت باستخدام السلاح النووي إذا لزم الأمر لضرب المفاعلات الإيرانية.وأكد السفير أن ترامب لن يتراجع عن ضرب إيران.
وأشار سالم إلى دور "رون ديرمر" وزير الشؤون الاستراتيجية، الذي تنازل عن جنسيته الأمريكية ليُعين سفيراً، وكان العقل المفكر لنتنياهو، وشجع ترامب على الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل.
خطة تهجير غزة.. ضغوط على مصر
في أخطر ما جاء باللقاء، تحدث السفير عن أن أول بند في اجتماعات إسرائيل الأخيرة كان "تهجير الفلسطينيين"، ثم "الملف الإيراني".
وأشار إلى وجود إدارة في وزارة الدفاع الإسرائيلية تُسمى "إدارة تهجير الفلسطينيين" تأسست في مارس الماضي، وأن الخطة كانت تستهدف تهجير 50% من سكان غزة، عبر شركات وهمية تعرض أموالاً مقابل الخروج إلى أفريقيا أو ماليزيا.
وتحدث عن "عملية صوماليلاند" كجزء من خطة التهجير، ورغبة إسرائيل في التواجد هناك، ووجود مخطط إماراتي إسرائيلي أمريكي.
كما تحدث أيضاً عن عرض مالي لمصر مقابل استيعاب سكان غزة، مؤكداً أن "مصر موقفها قوي جداً، ولكن هناك ضغوط كبيرة عليها"، وأن الهدف النهائي هو"تصفية القضية الفلسطينية".
حل الدولتين… انتهى عملياً

وبسؤاله عن مستقبل القضية الفلسطينية وما إذا كان حل الدولتين ما زال مطروحًا كخيار واقعي أم أصبح مجرد طرح سياسي نظري؟ قال السفير:"سياسياً ندعم حل الدولتين، لكن رأيي الشخصي أنه لم يعد قابلاً للتطبيق".
وأكد أن إسرائيل لن تسمح بقيام دولة فلسطينية قوية، وتسعى لقطع التواصل بين غزة والضفة، في ظل تقسيم الهوية الفلسطينية (زرقاء للقدس، صفراء للضفة، حمراء لغزة) مع قيود صارمة على التنقل بتصاريح صعبه. وأن إعادة إعمار غزة ستستغرق سنوات طويلة، بينما تطالب مصر بالإسراع في إعادة الإعمار وتكثيف المساعدات الإنسانية.
صنع القرار.. الكلمة الأخيرة لـ"أمان"
أوضح السفيرعاطف أن:"اتخاذ القرار العسكري يعتمد على ثلاث مؤسسات: الموساد (للخارج)، الشاباك (للداخل والأراضي الفلسطينية )، وأمان (المخابرات العسكرية)"، مؤكداً أن "أمان" هي الأهم في قرار الحرب والسياسة تجاه دول الطوق(مصر، سوريا، لبنان، الأردن)، وأن رأيها يُرجح إذا اختلفت الأجهزة.
وأشار إلى أن معظم العمليات الكبرى، مثل فضيحة لافون 1954وقضية أشرف مروان وعمليات إيلي كوهين، كانت تابعة لأمان و للمخابرات العسكرية .
وبسؤاله عن طبيعة العلاقة بين الدولة الإسرائيلية والأقليات غير اليهودية "الدروز"؟ قال السفير :"إن عدد الدروز في إسرائيل حوالي 180 ألفاً، ويخدمون إجبارياً في الجيش، ويتولون مناصب قيادية مثل قائد حرس الحدود وقائد المنطقة الشمالية، وولاؤهم 100% لإسرائيل. وأشار إلى السامريين واختلاف معتقداتهم، وأنهم لا يصلون إلا بعد سن الأربعين.
تجربة ميدانية داخل إسرائيل
روى السفير أنه خلال أربع سنوات خدمته كان يترك السائق ويقود بنفسه من بئر سبع إلى نتانيا، وزار القدس كثيراً، ودخل المسجد الأقصى وقبة الصخرة. كما تحدث عن واقعة في جامعة بن غوريون، حيث حضر محاضرة لبروفيسور يدرس عن مصر، ثم دُعي لإلقاء محاضرة حضرها نحو 1000 طالب، ودار نقاش حول وضع السفارة المصرية في تل أبيب وليس القدس، وهو ما نقلته الصحف الإسرائيلية آنذاك. كما تحدث عن عادات غذائية مثل تحريم الجمبري والقشريات.
الأمن القومي المصري.. تحذير من 1967
اختتم السفير حديثه بالتأكيد على أنه " قلق من العقيدة الأمنية الإسرائيلية التي تقوم على منع أي جار من النمو أو القوة"، محذراً من تكرار ما حدث في 1967.
ودعا إلى إنشاء مركز دراسات مصري متخصص في الشأن الإسرائيلي، يحلل الأحداث بشكل مؤسسي وعلمي، بعيداً عن الجهود الفردية، مشيراً إلى أنه ألف كتاباً بعنوان "إشكالية التطرف في إسرائيل" لشرح هذه الرؤية، قائلاً: "إسرائيل تدرسنا جيداً، ويجب أن ندرسها نحن أيضاً بشكل مؤسسي وعلمي" …

