هل يمكن ضبط التسلح النووي بين القوى الكبرى؟
ما بعد ”نيو ستارت”… اتفاق نووي بقواعد جديدة ،لاعبين جدد، ومعادلات مختلفة

انتهت معاهدة "نيو ستارت" للحد من الأسلحة النووية بين الولايات المتحدة وروسيا رسميًا في 5 فبراير 2026، منهيةً القيود على ترسانات أكبر قوتين نوويتين في العالم. مثلت المعاهدة، التي نُفذت عام 2011، تتويجًا لعقود من جهود ضبط التسلح بعد الحرب الباردة، حيث حددت سقفًا يبلغ 1550 رأسًا نوويًا استراتيجيًا و700 منصة إطلاق لكل طرف، إلى جانب آليات تفتيش ومراقبة متبادلة.
بفقدان هذا الإطار، يدخل النظام الدولي مرحلة غير مسبوقة منذ أكثر من نصف قرن، تخلو من قيود قانونية ملزمة على الترسانتين الأميركية والروسية، وسط مخاوف من عودة سباق تسلح نووي في بيئة دولية تتسم بتصاعد التوترات وتراجع الثقة بين القوى الكبرى.
من منظور الولايات المتحدة، بقيادة الرئيس ترامب، لم يعد تمديد الاتفاق بصيغته الثنائية القديمة مجديًا، في ظل ما تصفه واشنطن بتغير موازين القوى النووية عالميًا، حيث باتت الصين القوة النووية الأسرع نموًا، ما يجعل أي اتفاق يقتصر على واشنطن وموسكو غير قادر على ضبط واقع القرن الحادي والعشرين. لذلك يصر ترامب على إطلاق مفاوضات جديدة تشمل الصين، بهدف توسيع نطاق السيطرة على الترسانات النووية ومنع انتشارها دون قيود.
في المقابل، أكدت بكين عدم نيتها الانضمام إلى مفاوضات نزع السلاح في هذه المرحلة، معتبرة أن قدراتها النووية تختلف من حيث الحجم والدور عن الترسانات الأميركية والروسية، ومشددة على التزامها بسياسة دفاعية "عدم البدء باستخدام السلاح النووي".
أما روسيا، فترى أنه يجب إشراك فرنسا وبريطانيا، باعتبارهما قوتين نوويتين أوروبيتين معترفًا بهما ضمن الدول الخمس النووية في إطار معاهدة عدم الانتشار. ويعكس هذا الموقف سعي موسكو إلى إعادة تشكيل معادلة ضبط التسلح على أساس متعدد الأطراف، يتجاوز الثنائية التقليدية.
وقال الدكتور سيرجي ماركوف، المستشار السابق للرئيس الروسي :"الولايات المتحدة تمتلك ما يقرب من 5000 رأس نووي، وهو ما يتناقض مع الخطاب الأميركي الداعي إلى ضبط التسلح، وتصور واشنطن الصين باعتبارها تهديدًا، رغم أن بكين تمتلك نحو 600 رأس نووي فقط، أي أقل بنحو ستة أضعاف من الترسانة النووية الأميركية"، متسائلًا عن الأساس الذي تستند إليه الولايات المتحدة في مطالبة الصين بالانخراط في اتفاقيات للحد من التسلح.كما لفت إلى أن دولًا أخرى، مثل فرنسا، تمتلك أكثر من 200 رأس نووي، وهو ما يعكس خللًا واضحًا في الطرح الأميركي ومعايير تطبيقه.
كما يرى خبير العلاقات الدولية الدكتور أحمد سيد أحمد، أن:"انتهاء المعاهدة يمثل نقطة تحول خطيرة في منظومة ضبط التسلح النووي"، مؤكدًا أن الاتفاق لم يكن مجرد قيود رقمية، بل إطارًا سياسيًا وقانونيًا حافظ على التوازن الاستراتيجي بين واشنطن وموسكو. ويحذر من أن غياب آليات التفتيش والشفافية يرفع من احتمالات سوء التقدير والتصعيد غير المقصود، مشيرًا إلى أن فشل تجديد المعاهدة يهدد السلم الدولي ويفتح الباب أمام سباق تسلح نووي جديد ما لم يتم التوصل إلى إطار بديل يتناسب مع المتغيرات الدولية الراهنة.

