تمارا حداد: الخليل لم تعد مجرد مدينة مستهدفة.. بل أصبحت نموذجًا لـ”الضم داخل الضم”

قالت الدكتورة تمارا حداد، الكاتبة والباحثة السياسية الفلسطينية، إن قرارات الحكومة الإسرائيلية لا يمكن قراءتها بمعزل عن رسائل متعددة تحملها في آن واحد. وأوضحت أن المشروع الأيديولوجي لحكومة اليمين الائتلافي انتقل بشكل واضح إلى مرحلة التنفيذ، عبر فرض وقائع جديدة في الضفة الغربية تمهّد لإعلان السيادة الإسرائيلية عليها، ليس من منطلق أيديولوجي فقط، بل ضمن حسابات سياسية مركبة.
وأقرت الحكومة الإسرائيلية، عبر المجلس الوزاري المصغر للشؤون السياسية والأمنية (الكابينت)، حزمة قرارات وصفت بالأخطر منذ احتلال الضفة الغربية عام 1967، تمس بصورة مباشرة مدينة الخليل ومحيطها. وتشمل هذه القرارات نقل صلاحيات التخطيط والبناء، وفتح سجلات الأراضي، وتسهيل إجراءات شراء الأراضي لصالح المستوطنين، بما يعني عمليًا إسقاط بروتوكول الخليل الموقع عام 1997 وتجاوز ترتيبات أوسلو المتعلقة بتقسيم الصلاحيات والمناطق.
وبيّنت حداد، في تصريحات لـ"النهار"، أن السياق الأول لهذه القرارات يتمثل في دفن مشروع الدولة الفلسطينية، بينما يتمثل السياق الثاني في تصفية القضية الفلسطينية برمتها، أما السياق الثالث فهو شن حرب شاملة على الوجود الفلسطيني، عبر أدوات التضييق الأمني والاقتصادي والسياسي، بما يعزز فكرة التهجير القسري وغير المباشر لسكان الضفة الغربية.
رسائل انتخابية لليمين
وأضافت حداد أن هذه القرارات تحمل كذلك رسالة داخلية انتخابية بامتياز، تستهدف جمهور اليمين والمستوطنين بشكل مباشر. واعتبرت أن آلية نقل صلاحيات البناء في الخليل وتكريس الضم الزاحف تخاطب هذا الجمهور تحديدًا، في وقت تشير فيه استطلاعات الرأي إلى تآكل شعبية نتنياهو واحتمالات عدم فوزه في الانتخابات المقبلة.
وأشارت إلى أن نتنياهو يسعى، عبر هذه الخطوات، إلى إعادة تقديم نفسه كضامن وحارس للمشروع الاستيطاني، وإغلاق الباب أمام أي منافسة داخلية من قبل المعارضة الإسرائيلية، من خلال احتكار خطاب “السيادة” وفرض الوقائع على الأرض.
اختبار السقف الأمريكي
وحول البعد الخارجي، رأت حداد أن نتنياهو يستثمر زيارته إلى واشنطن لاختبار السقف الأمريكي، عبر المناورة السياسية والإعلان عن قرارات ضم متسارعة، سواء تلك التي صادق عليها الكابينيت أو مشاريع القوانين التي يقرها الكنيست، والتي تهدف إلى ضم الضفة الغربية بالتوازي مع استمرار العمليات الإسرائيلية في قطاع غزة.
وأضافت أن هذه الخطوات لا ترقى إلى مستوى التحدي المباشر للإدارة الأمريكية بقدر ما تمثل “جس نبض” لمعرفة ما إذا كان الرئيس الأمريكي سيعارض فعليًا ضم الضفة الغربية، أم سيواصل سياسة غضّ الطرف عن واقع بات مفروضًا. وحذرت من أنه في حال غياب ردع أمريكي حقيقي، فإن هذه الوقائع ستتحول إلى سياسة دائمة واستراتيجية ثابتة لضم الضفة الغربية.
من قرار سياسي إلى إجراء بيروقراطي
وأكدت حداد أن أخطر ما في المرحلة الحالية هو تحويل الضم من فعل سياسي معلن إلى إجراءات إدارية وأمنية وعسكرية هادئة ومتسارعة. وأوضحت أن الهدف الأساسي يتمثل في إعادة تصنيف الأراضي الفلسطينية باعتبارها أراضي دولة إسرائيل، وليس أراضي محتلة أو ملفًا سياسيًا خاضعًا للتفاوض.
وشددت على أن الضم لم يعد إعلانًا صاخبًا، بل أصبح عملية بيروقراطية منظمة تشمل نقل الصلاحيات، وتغيير خرائط التنظيم، وتوسيع مجالس التخطيط والبناء الاستيطانية، بما يجعل هذا النموذج أكثر صعوبة على مستوى المواجهة الدولية، في ظل ضعف واضح في موقف المجتمع الدولي وغياب أدوات الردع.
الخليل نموذج الضم داخل الضم
وحذرت حداد من التداعيات الميدانية لهذه القرارات، معتبرة أن ما يجري يكشف عن خطة إسرائيلية ممنهجة، تتخذ من الخليل نقطة ارتكاز خطيرة. وأكدت أن الخليل لم تعد مجرد مدينة مستهدفة، بل أصبحت نموذجًا لما وصفته بـ“الضم داخل الضم”، حيث يعزز نقل صلاحيات البناء التقسيم القسري للمدينة، ويكرس واقع الفصل والسيطرة الاستيطانية في قلب كتلة سكانية فلسطينية كثيفة.
وأضافت أن هذا الواقع ينذر بإشكاليات سياسية وأمنية مستقبلية عميقة بين الفلسطينيين والمستوطنين، ويغلق ما تبقى من التواصل الجغرافي في الضفة الغربية، محولًا الحديث عن حل الدولتين إلى شعار بلا مضمون تطبيقي.
إعلان الوفاة السياسية لأوسلو
وفي ما يتعلق باتفاق أوسلو، قالت حداد إن الاتفاق انتهى فعليًا منذ زمن، لكن ما يجري اليوم يمثل إعلان وفاته السياسية الكاملة على الأرض. وأكدت أن إسرائيل لم تلتزم لا بروح الاتفاق ولا بنصوصه، وأصبحت تدير مناطق جديدة باعتبارها أراضي إسرائيلية بحكم الأمر الواقع، مع توقع أن يمتد هذا النموذج مستقبلًا ليشمل حتى المناطق المصنفة (أ).
وأضافت أن الفلسطينيين يقفون اليوم أمام مرحلة ما بعد أوسلو دون وجود إطار بديل معلن، وهو ما وصفته بأخطر السيناريوهات، لأنه يفتح الباب أمام ضم دائم مقنّع دون أفق سياسي واضح.
مطلوب مواجهة شاملة
ودعت حداد السلطة الفلسطينية إلى الخروج من منطق إدارة الأزمة إلى منطق المواجهة السياسية والقانونية، مؤكدة أن إصدار البيانات لم يعد كافيًا. وشددت على ضرورة إعادة تعريف العلاقة مع إسرائيل، ونقل الصراع إلى ساحات القانون الدولي بشكل منهجي ومستدام، لا بوصفه رد فعل مؤقتًا.
كما أكدت أهمية بناء جبهة فلسطينية موحدة، معتبرة أن الانقسام يمثل ورقة رابحة لإسرائيل، وأن أي مواجهة جدية تستلزم توحيد الموقف السياسي والبرنامج الوطني، إلى جانب تدويل ملف الخليل والمواقع الأثرية، وجعل قرارات الكابينيت عنوانًا لحملة دولية مستمرة.
مسؤولية عربية ودولية
وختمت حداد بالتأكيد على أن الموقف العربي والدولي مطالب بالانتقال من بيانات الإدانة إلى ربط التطبيع والمصالح الاقتصادية بسلوك إسرائيل في الأراضي المحتلة. وأشارت إلى أن أوروبا مطالبة بتحديد دورها بوضوح، والتحول من لغة القلق إلى إجراءات عملية، تشمل التمييز الصريح بين إسرائيل والأراضي المحتلة في جميع الاتفاقيات، واتخاذ خطوات تقلص من وتيرة الاستيطان.
وأكدت أن ما يحدث اليوم ليس تصعيدًا عابرًا، بل إعادة هندسة شاملة للصراع، حيث تعيد إسرائيل تشكيل مستقبل الضفة الغربية إداريًا قبل أي حل سياسي، محذرة من أن غياب تحول فلسطيني وعربي جدي في أدوات الاشتباك سيؤدي إلى تثبيت مرحلة انتقالية نهائية من الاحتلال المؤقت إلى الضم الدائم المقنّع.

