النهار
جريدة النهار المصرية

عربي ودولي

الخليل أمام الضم الإداري الكامل: قرارات الكابينيت تنهي أوسلو وتفرض سيادة الاحتلال

تعهد رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتانياهو، لناخبيه بضم منطقة وادي الأردن وأجزاء أخرى من الضفة الغربية المحتلة - أ ف ب
عبدالرحمن كمال -

أقرت الحكومة الإسرائيلية، عبر المجلس الوزاري المصغر للشؤون السياسية والأمنية (الكابينت)، حزمة قرارات وصفت بالأخطر منذ احتلال الضفة الغربية عام 1967، تمس بصورة مباشرة مدينة الخليل ومحيطها. وتشمل هذه القرارات نقل صلاحيات التخطيط والبناء، وفتح سجلات الأراضي، وتسهيل إجراءات شراء الأراضي لصالح المستوطنين، بما يعني عمليًا إسقاط بروتوكول الخليل الموقع عام 1997 وتجاوز ترتيبات أوسلو المتعلقة بتقسيم الصلاحيات والمناطق.

وتأتي هذه الخطوات في سياق سياسي داخلي وخارجي متزامن، إذ تتقاطع مع تحركات يقودها وزير المالية بتسلئيل سموتريتش ووزير الأمن يسرائيل كاتس، ومع زيارة رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو إلى الولايات المتحدة، في محاولة لاختبار السقف الأمريكي واستثمار الانشغال الدولي والحسابات الانتخابية الداخلية لتكريس وقائع سيادية على الأرض دون إعلان رسمي.

تحول بنيوي خطير

بدوره، قال د.صلاح عبدالعاطي، رئيس الهيئة الدولية لدعم حقوق الشعب الفلسطيني (حشد)، إن ما أقدمت عليه الحكومة الإسرائيلية يمثل أخطر تحول بنيوي في سياسات الاحتلال منذ عام 1967.

وأوضح عبدالعاطي، في تصريحات لـ"النهار"، أن إسرائيل لم تعد تتعامل مع الاحتلال كواقع مؤقت، بل انتقلت إلى فرض سيادة فعلية وشاملة على الضفة الغربية، بما فيها المناطق المصنفة (أ، ب)، في نسف كامل لاتفاقيات أوسلو وإنهاء عملي لأي أفق سياسي قائم على حل الدولتين.

وأضاف أن هذه القرارات تُقرأ في سياق سعي نتنياهو إلى تقديم “إنجازات سيادية” لليمين المتطرف تُستخدم انتخابيًا، وتُكرّس الضم كأمر واقع غير معلن، مستفيدًا من الانشغال الدولي الراهن وتراجع الضغوط الفعلية.

انتهاكات قانونية جسيمة

وأكد عبدالعاطي أن القرارات تشكل انتهاكًا جسيمًا للقانون الدولي الإنساني واتفاقيات جنيف الرابعة، وخرقًا مباشرًا للرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية ولقرارات مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة ذات الصلة بفلسطين. وأشار إلى أن هذه القرارات، ولا سيما تلك التي تحظر الاستيطان والضم وتغيير الوضع القانوني والديموغرافي للأراضي المحتلة، تمثل خروجًا فاضحًا على الشرعية الدولية.

وبيّن أن نقل صلاحيات التخطيط والبناء في الخليل، وفتح سجلات الأراضي، وتسهيل شراء الأراضي من قبل المستوطنين، تُعدّ ضمًا إداريًا وقانونيًا صامتًا، يرتّب مسؤولية دولية على الدول بعدم الاعتراف أو المساعدة، ويفتح الباب أمام المساءلة أمام المحكمة الجنائية الدولية وتفعيل الولاية القضائية العالمية.

ترانسفير بطيء

أوضح عبدالعاطي أن هذه السياسات تهدف إلى إحداث ترانسفير قسري بطيء عبر خنق البناء، ومصادرة الأراضي، وتجفيف الموارد، وتفكيك البلديات الفلسطينية. وأكد أن هذه الأدوات تؤدي إلى تهجير غير مباشر وتغيير التركيبة السكانية لصالح المستوطنين، مع تفتيت الجغرافيا الفلسطينية إلى جزر معزولة بلا تواصل أو سيادة.

وشدد على أن مدنًا مركزية مثل الخليل وبيت لحم والقدس ومحيطها تتعرض بشكل خاص لهذا النمط من الهندسة الديموغرافية، بما يضرب مقومات الحياة الفلسطينية ويفرض وقائع استيطانية دائمة.

نهاية أوسلو عمليًا

وقال عبدالعاطي إن اتفاق أوسلو انتهى عمليًا، ولم يعد قائمًا أي مضمون للحكم الذاتي في ظل فرض إسرائيل ولايتها القانونية والإدارية والأمنية على مناطق يُفترض أنها خاضعة للسلطة الفلسطينية. واعتبر أن ما يجري هو استبدال أوسلو بنظام ضم إداري دائم دون إعلان رسمي، هدفه قتل فكرة الدولة الفلسطينية نهائيًا.

وأضاف أن هذا المسار لا يترك مجالًا للرهان على عملية سياسية تقليدية، بل يؤسس لواقع استعماري طويل الأمد يتناقض جذريًا مع أي تسوية عادلة.

مطلوب مواجهة شاملة

وفي ما يتعلق بسبل المواجهة، شدد عبدالعاطي على أن الموقف الفلسطيني الرسمي يتطلب قرارًا سياسيًا واضحًا يتجاوز إدارة الأزمة إلى إعلان فشل أوسلو، وإعادة تعريف العلاقة مع الاحتلال. ودعا إلى تفعيل مسار قانوني دولي شامل لملاحقة سياسات الضم والاستيطان، وحماية الأرض والطابو، ومنع البيع القسري والتزوير.

كما أكد أن الموقف العربي والدولي مطالب بالانتقال من بيانات القلق إلى إجراءات عملية، تشمل الضغط السياسي، وربط العلاقات مع إسرائيل بسلوكها، والالتزام بواجب عدم الاعتراف أو المساعدة، محذرًا من أن ما يجري لا يهدد الفلسطينيين وحدهم، بل يقوض النظام الدولي القائم على القانون.

واختتم عبدالعاطي بالتأكيد على أن هذه القرارات ليست مؤقتة ولا قابلة للاحتواء، بل تمثل لحظة فاصلة في مشروع تصفية القضية الفلسطينية عبر الضم الصامت. وحذر من أنه إذا لم تُواجَه هذه السياسات سياسيًا وقانونيًا وشعبيًا الآن، فإن ما يُغلق ليس أفق التسوية فقط، بل أساس الحق الفلسطيني في الأرض والسيادة وفرص إقامة الدولة الفلسطينية.