النهار
جريدة النهار المصرية

ثقافة

الصوفية أفق مفتوح والشعر لا يعيش بلا شعرية

عبد القادر الحصني: قصيدة النثر الأصعب لأنها بلا معايير… والقصيدة تُختبر عارية من زينتها

جانب من الأمسية
أحمد المطيري -

في أمسية شعرية وفكرية ثرية، استضافت «مشكاة» الشاعر السوري الكبير عبد القادر الحصني، ضمن فعاليات ملتقى الشعر الثاني، حيث قدّم شهادة إبداعية وإنسانية عميقة عن تجربته الشعرية، كاشفًا عن ملامح نشأته، ورؤيته للشعر، وتحولات القصيدة العربية، في حضور لافت من المثقفين ومحبي الشعر.

حاوره فيها الشاعر يونس أبو سبع بحضور مجموعة من الشعراء ومحبي الأدب

استهل الحصني حديثه بالعودة إلى جذور نشأته الأولى، مؤكدًا أن تكوينه الروحي والفكري تأثر بعمق بالبيئة الصوفية التي نشأ فيها، لافتًا إلى أن جده كان شيخًا صوفيًا، وكان لهذا الحضور أثر بالغ في تشكيل وعيه المبكر، وفي تلويـن تجربته الشعرية بروح صوفية خاصة.

وأوضح أن الصوفية التي أثّرت فيه ليست صوفية الدروشة أو الانسحاب من العالم، بل «صوفية الأفق المفتوح»، بوصفها تجربة إنسانية ومعمقًا وجوديًا، ورؤية تربط الحاضر بالغائب، كما يفعل النص الشعري نفسه، حيث يتجاور فيه المرئي والمخبوء، والمعلن والغامض، ليصنع معناه العميق.

وخلال الأمسية، روى الشاعر عددًا من القصص الطريفة والإنسانية التي مرّ بها في مسيرته، قبل أن يقرأ باقة من نصوصه المتنوعة، كاشفًا أن كثيرًا من النصوص «الحاضرة» في دواوينه تقف خلفها حكايات وتجارب عميقة، تتجاوز ظاهر اللغة إلى ما هو أبعد من الكلمات.

وتوقف الحصني عند مفهوم الشعر ومعاييره، مؤكدًا أن كل الفنون لها معايير، وأن من يطالب بشعر بلا معايير «فليقل ما يشاء»، لأن الزمن وحده هو الحكم الحقيقي. وشدد على أن الشعرية لا قوانين ثابتة لها، فهي يمكن أن تتجلى في كل شيء وفي كل ملمح من ملامح الحياة، لكنها تختلف عن الشعر ذاته، موضحًا أن الحلم وحده لا يصنع شعرًا، وأن النص لا يكون شعرًا حقيقيًا ما لم يكن مشبعًا بالشعرية.

وأكد أن الشاعر الحقيقي لا يجب أن ينعزل عن الناس، بل عليه أن يعبّر عمّا يهم العامة، وأن ينطلق من العام إلى الخاص، لا أن ينغلق في ذاتية معزولة، مشددًا على أن الشعر رسالة إنسانية قبل أن يكون تمرينًا لغويًا.

وفي لفتة لافتة، قال الحصني إنه لم يكتب شعر غزل في حياته، مفرقًا بين الغزل والحب، موضحًا: «إذا أحببنا امرأة نكتب قصيدة حب، لا قصيدة غزل»، معتبرًا أن الحب أوسع وأعمق من القوالب الغزلية التقليدية.

وتناول الشاعر تحولات القصيدة العربية، مشيرًا إلى أن قصيدة التفعيلة شهدت انحسارًا نسبيًا، رغم أن الرواد والأجيال التي تلتهم قدموا نصوصًا جيدة. واعتبر أن الشعر «خرج من بيته الأصيل» منذ أربعينيات القرن الماضي، وكان هذا الخروج صعبًا، وادعاه كثيرون، بينما استطاع قلة فقط أن يقدموا شعرًا عاليًا ترك بصمة لا تُمحى.

وأوضح أن عودة الشعر العربي إلى «بيته» جاءت نتيجة عوامل سياسية واجتماعية واقتصادية، لكن الإشكالية أن كثيرين يظنون أن البيت هو مجرد الجدران والأوزان والقوافي، دون أن يعرفوا كيف يُسكن هذا البيت، وكيف تُفهم أعرافه وتقاليده، وكيف تتحرك البلاغة داخله، وكيف ينتقل الشاعر بين غرفه.

وأشار إلى أن المشهد الشعري الراهن يعاني من تشظٍ واضح، يتمثل في ذاتيات مسكوكة في أبيات موزونة ومقفاة، لكنها تفتقد كثيرًا من أصالة الشعر العربي وروحه العميقة.

ورأى أن العودة الحقيقية للشعر لا تكتمل إلا بقراءة التراث الشعري قراءة واعية، وفهم كيفية العيش داخل «البيت الشعري» لا الاكتفاء بالوقوف عند شكله الخارجي.

وعن سؤال ما إذا كان هذا القصور ناتجًا عن الشباب أو عن طبيعة العصر، أوضح الحصني أن من يهجر البيت سنوات طويلة لا يمكنه أن يعود إليه كما كان، دون أن يعيد تأهيل نفسه للعيش فيه من جديد، معتبرًا أن المعطيات الحضارية الحديثة حطمت كثيرًا من الثوابت، وأسهمت في تشكيل إنسان متشظٍ، وهو ما ينعكس بدوره على الشعر.

وفي حديثه عن أشكال القصيدة، أكد الشاعر عبد القادر الحصني أن أصعب أنواع الشعر هي قصيدة النثر، ليس لأنها أقل قيمة، بل لأنها – على حد تعبيره – «قصيدة بلا معايير»، وهو ما يجعل كتابتها اختبارًا قاسيًا للشاعر، لا تحميه الأوزان ولا القوالب الجاهزة.

وشبّه الحصني قصيدة النثر بـ امرأة ترتدي حُليًّا وزينة لافتة؛ قد تبدو جميلة بثيابها وألوانها ومكياجها، لكنها إذا خلعت كل ذلك قد لا تبقى جميلة في ذاتها. في المقابل، شبّه قصيدة البحر أو القصيدة العمودية بامرأة خارجة من البحر؛ إما جميلة أو غير جميلة من النظرة الأولى، بلا زينة ولا إضافات، حيث ينكشف الجوهر مباشرة.

واستعاد الحصني قصة من طفولته، قائلاً إن والدته لفتت انتباهه مبكرًا إلى هذا المعنى، عندما كان يحفظ قطعة شعرية ويتباهى بجمالها، فقالت له: «هذه القصيدة جميلة بثيابها، لأن ثيابها جميلة، لكن لو خلعت ثيابها قد لا تجدها جميلة». ويضيف أن هذه الجملة ظلت عالقة في ذهنه سنوات طويلة، وجعلته يختبر قصائده دائمًا: هل تبقىجميلة إذا جُرّدت من زخرفها؟

وأوضح أنه منذ ذلك الوقت ظل «يصنع ثيابًا للقصائد» ثم يخلعها عنها، ليرى إن كانت تحتمل الوقوف وحدها، معتبرًا أن الجمال الحقيقي في الشعر هو جمال الجوهر لا الزينة.

ورغم هذا الطرح النقدي، شدد الحصني على أن حديثه لا ينتقص من شعراء قصيدة النثر، مشيرًا إلى الشاعرة هدى التي كانت حاضرة في الأمسية، واصفًا إياها بأنها من أهم من يكتبون قصيدة النثر اليوم، وأنها «شاعرة بحجم وطن»، ولها أكثر من ثلاثين عامًا من التجربة الشعرية الجادة، مؤكدًا أن قصيدة النثر – رغم صعوبتها – قادرة على إنتاج شعر عظيم حين تُكتب بوعي عميق.

وأضاف أن الأشكال الشعرية تتغير وتتحول، وقد تنحسر أو تمتد، لكن الأعمال العظيمة تظل عظيمة مهما سقطت مدارسها أو تراجعت. وضرب مثالًا بالكاتب الروسي فيودور دوستويفسكي، موضحًا أن المدرسة النفسية في الأدب التي ارتبط اسمه بها تراجعت كثيرًا، وربما اختفت، لكن أعماله بقيت خالدة، لأنها تجاوزت إطار المدرسة إلى جوهر الفن.

وأكد الحصني أن ما هو عظيم في أي شكل من أشكال الشعر سيبقى عظيمًا، وما هو غير عظيم لن تنقذه الأشكال ولا المدارس، مهما تغيّرت أو تجددت.

وتحدث عن تجربته في ديوانه «قصائد وظلال»، موضحًا أن الديوان يضم خمس قصائد رئيسية، تحيط بها «ظلال» كثيرة، وهي قصائد قصيرة تشبه – كما وصفها – السياج المحيط بالبستان. وأشار إلى أن ما لفت انتباهه منذ الطفولة أن الجمال قد يوجد أحيانًا في السياج أكثر مما يوجد في قلب البستان، وفي زهرة صغيرة تخرج من تحت صخرة، ما لا نجده في الحديقة الكبيرة.

ولهذا السبب، ترك «الظلال» بلا عناوين، معتبرًا أن الظلال بطبيعتها في رحيل دائم، لا تستقر، كما هي الظلال المعمارية التي تظهر ثم تزول. وقسّم هذه الظلال إلى ظلال خشنة تعكس المحنة السورية وما حملته من ألم، وظلال ناعمة تتناول موضوعات إنسانية أخرى، مؤكدًا أن الظل – مهما بدا هامشيًا – قد يحمل كثافة شعرية لا تقل عمقًا عن القصيدة الكبرى.

وأكد في حديثه بالتأكيد على أن الشعر الحقيقي لا يُقاس بالشكل وحده، بل بقدرته على البقاء، وعلى لمس الإنسان، وعلى كشف جوهر الجمال حتى وهو عارٍ من كل زينة

واختتم الحصني حديثه بالتأكيد على ضرورة الجمع بين وعي اللحظة الراهنة والحفاظ على أصالة البيت الشعري، محذرًا من أن تجاهل هذه المعادلة قد يعيد الشعر إلى حالة التشرد مرة أخرى.

أمسية كشفت عن شاعر لا يكتفي بكتابة النص، بل يقدّم رؤية فكرية ومعرفية للشعر بوصفه تجربة وجودية، ومساحة مفتوحة للسؤال، لا تنفصل عن الإنسان ولا عن زمنه