مسقط ترسم خطوط الاشتباك النووي بين واشنطن وطهران
لا حرب ولا اتفاق: ماذا دار فعليًا بين واشنطن وطهران في مسقط؟

في مسقط، حيث تُدار أخطر الملفات بعيدًا عن الأضواء، انتهت جولة جديدة من المفاوضات غير المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران، وسط حديث متزايد عن اتفاق نووي محدود قد يعيد ترتيب قواعد الاشتباك في المنطقة، دون أن يصل إلى تسوية شاملة للصراع الممتد منذ سنوات.
وكشفت صحيفة نيويورك تايمز الأميركية عن ملامح صفقة محتملة تقوم على معادلة واضحة: تعليق طويل الأمد لبعض أنشطة البرنامج النووي الإيراني مقابل رفع جزئي أو مرحلي للعقوبات الاقتصادية الأميركية، في محاولة لتجنب سيناريو الانفجار العسكري الذي يخيم على الإقليم.
مسقط.. مفاوضات لكبح الانفجار
المفاوضات التي جرت بوساطة عمانية جاءت في توقيت بالغ الحساسية، مع تصاعد التوترات الإقليمية والتهديدات المتبادلة. ووفق مصادر مطلعة، تبادل الطرفان رسائل ومقترحات عبر الوسيط العماني، ركزت على تعزيز الشفافية النووية وإظهار مرونة تقنية في مستويات التخصيب والتخزين، دون المساس بجوهر البرنامج من وجهة نظر طهران.
وأفادت وسائل إعلام إيرانية رسمية بأن الجولة الأولى انتهت دون اختراق حاسم، على أن تُستكمل المباحثات خلال الأيام المقبلة بعد عودة الوفود إلى عواصمها للتشاور.
تخصيب محدود.. مخرج أم تسوية شكلية؟
بحسب نيويورك تايمز، طُرح مقترح إقليمي يقضي بحصر تخصيب اليورانيوم الإيراني عند مستويات منخفضة، لا تتجاوز 3% أو أقل، بما يمنع تقنيًا إنتاج سلاح نووي، ويمنح في الوقت نفسه طهران هامشًا سياسيًا يسمح لها بحفظ ماء الوجه، في مواجهة إصرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب على وقف التخصيب بالكامل.
لكن هذا الطرح لا يحظى بإجماع، إذ يرى محللون أن الاتفاق – إن وُقع – سيكون ضيق النطاق ومؤقتًا بطبيعته.
ويقول فرزان ثابت، محلل الشأن الإيراني في المعهد العالي للدراسات الدولية والتنمية في جنيف :"إن هناك صفقة ممكنة، لكنها ليست جيدة، وفرص التوصل إليها لا تزال منخفضة نسبيًا"، مضيفًا أن:"أي تعليق فعلي للبرنامج النووي، حتى لو كان مؤقتًا، سيمنح ترامب فرصة لتسويق الاتفاق كنصر سياسي كبير دون إطلاق رصاصة واحدة".
عقدة الصواريخ والوكلاء
رغم التركيز الرسمي على الملف النووي، تبقى الملفات الأخرى حجر عثرة حقيقيًا. فبحسب ثلاثة مسؤولين إقليميين، من الصعب إيجاد مخرج لمطالب واشنطن المتعلقة بالبرنامج الصاروخي الإيراني ودعم طهران لوكلائها في المنطقة.
وأشار مسؤولان إلى أن التوصل إلى آلية فعالة لمراقبة التمويل أو نقل الأسلحة إلى هذه الأذرع الإقليمية يكاد يكون مستحيلًا، فيما تتمسك إيران برفض تقديم أي تنازلات في ملف الصواريخ الباليستية، معتبرة إياها عنصرًا أساسيًا في منظومتها الدفاعية، خصوصًا في مواجهة إسرائيل.
عراقجي: النووي فقط
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي وصف محادثات مسقط بأنها "جيدة وبداية إيجابية"، مؤكدًا وجود تفاهم على استمرار المفاوضات، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن المحادثات محصورة حصريًا في الملف النووي، ولا تشمل أي ملفات أخرى.
وقال عراقجي إن حل هذه المسألة يجب أن يتم في أجواء هادئة وبعيدة عن التهديد، مطالبًا واشنطن بالالتزام بهذا المسار إذا أرادت استمرار الحوار.
من جانبه، وصف وزير الخارجية العماني بدر البوسعيدي المباحثات بأنها "جدية للغاية"، مشيرًا إلى أنها ساعدت على توضيح وجهات النظر وتحديد مجالات التقدم المحتمل، مع السعي لترتيب جولة جديدة في الوقت المناسب.
دبلوماسية تحت ظل الخيار العسكري
على الجانب الأميركي، أكدت المتحدثة باسم البيت الأبيض أن ترامب لا يزال يفضّل اختبار المسار الدبلوماسي، لكنها لم تستبعد اللجوء إلى خيارات أخرى في حال فشل المفاوضات، في رسالة تعكس استمرار سياسة العصا إلى جانب الجزرة.
في المحصلة، تبدو مفاوضات مسقط محاولة لشراء الوقت أكثر من كونها حلًا نهائيًا. خفض التصعيد، تعليق جزئي، وبيان سياسي مشترك بعدم اللجوء إلى القوة… هي أقصى ما قد تحققه الجولة الحالية. أما الاتفاق الشامل، فلا يزال أسير فجوة عميقة في المواقف، تجعل السلام هشًا، والحرب احتمالًا مؤجلًا لا أكثر.

