النهار
جريدة النهار المصرية

عربي ودولي

باحث تركي: أنقرة والقاهرة تبنيان شراكات استراتيجية فعلية قادرة على التأثير في موازين القوى الإقليمية

الرئيس السيسي يستقبل نظيره التركي
عبدالرحمن كمال -

قال الباحث التركي د. بكير أتاجان، إن التحركات الدبلوماسية والعسكرية التي تقوم بها تركيا مؤخرا، باتجاه السعودية وباكستان، بالتوازي مع الانفتاح على مصر، تعكس مسارًا إقليميًا متسارعًا يتجاوز الطابع البروتوكولي للزيارات الرسمية.

وأوضح "أتاجان"، في تصريحات لـ"النهار"، أن اتصالًا هاتفيًا سبق إعلان زيارة الرئيس رجب طيب أردوغان إلى الرياض بين رئيسي أركان الجيشين التركي والسعودي، أعقبه مباشرة توجه رئيس الأركان التركي إلى باكستان، في تسلسل يعكس تنسيقًا مدروسًا لا يمكن فصله عن السياق الإقليمي الأوسع.

وأشار أتاجان إلى أن هذا الحراك لا يأتي بوصفه سلسلة لقاءات منفصلة، بل كجزء من محاولة تركية لإعادة التموضع داخل الإقليم، عبر بناء شبكات تنسيق جديدة مع عواصم مركزية مثل القاهرة والرياض، في ظل تزايد الإحساس الإقليمي بتراجع الاعتماد الحصري على المظلة الأمريكية.

شراكات قيد التشكل

وأوضح الباحث التركي أن أنقرة تسعى، من خلال هذا المسار، إلى المساهمة في إعادة هندسة منظومة تعاون أمني وعسكري في العالم الإسلامي، تتجاوز التحالفات الشكلية التقليدية. ولفت إلى أن الهدف يتمثل في بناء شراكات استراتيجية فعلية قادرة على التأثير في موازين القوى الإقليمية، بدل الاكتفاء بردود الفعل على سياسات القوى الكبرى.

وبيّن أن هذا التوجه لا يعني قطيعة مع الغرب، وإنما محاولة لامتلاك هامش استقلالية أوسع في القرار السياسي والأمني، بما يسمح للدول الإقليمية بفرض شروطها في أي تسويات مقبلة، بدل البقاء في موقع التابع أو المتلقي.

الدور الإسرائيلي

ولفت الباحث التركي إلى أن هذه التحركات لا يمكن فهمها بمعزل عن الدور الإسرائيلي المتصاعد في إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية. وأشار إلى أن إسرائيل باتت تعتمد استراتيجية تتجاوز الردع العسكري المباشر، تقوم على التأثير في شبكة العلاقات بين الدول العربية والإسلامية.

وبيّن أن تل أبيب تسعى، عبر الضغط السياسي والتحالفات الأمنية واستثمار المخاوف من إيران، إلى فرض واقع استراتيجي طويل الأمد يضمن تفوقها، سواء من خلال تحجيم خصومها أو تفكيك بؤر الصراع بما يخدم مصالحها، مع الحفاظ على سقف يمنع الانفجار الشامل.

ساحات مترابطة

وأوضح أتاجان أن ملفات السودان واليمن والصومال والعراق ولبنان لا يمكن التعامل معها كأزمات منفصلة، بل كشبكة صراع واحدة على النفوذ والممرات البحرية والثروات والمواقع الاستراتيجية. وأشار إلى أن البحر الأحمر يشكّل ساحة تقاطع حيوية لمصالح مصر والسعودية وتركيا والقوى الدولية الكبرى.

وأضاف أن اليمن والسودان يمثلان بوابتين أساسيتين لأي مشروع نفوذ إقليمي في هذه المنطقة الحساسة، في حين يستمر في العراق ولبنان صراع النفوذ مع إيران ضمن سياسة احتواء تدريجية، تهدف إلى إنهاك طهران سياسيًا واقتصاديًا بدل المواجهة العسكرية المباشرة.

إيران تحت الضغط

وبيّن الباحث أن أحد الأبعاد غير المعلنة لهذا الحراك يتمثل في السعي إلى منع أو تأجيل ضربة أمريكية محتملة ضد إيران، أو على الأقل تقليص تداعياتها. وأكد أن دول المنطقة باتت تدرك أن أي حرب واسعة مع طهران ستؤدي إلى انفجار إقليمي شامل يصعب احتواؤه.

وأشار إلى أن بعض القوى الإقليمية تعمل على بناء توازن ردع جماعي يفرض حسابات أكثر تعقيدًا على واشنطن وتل أبيب، وفي الوقت نفسه يدفع إيران نحو ترتيبات جديدة تقلص نفوذها مقابل ضمانات أمنية ضمنية.

الاقتصاد كدافع

وأكد أتاجان أن الاعتبارات الاقتصادية والاجتماعية تشكّل محركًا خفيًا لهذا المسار السياسي، في ظل أزمات متراكمة تعانيها دول المنطقة، تشمل الديون والبطالة وتراجع الخدمات وتآكل الطبقات الوسطى. ولفت إلى أن الاستقرار الأمني بات شرطًا أساسيًا لجذب الاستثمارات في الطاقة والبنية التحتية والموانئ.

وأضاف أن تصاعد الاحتقان الاجتماعي يدفع الأنظمة إلى البحث عن صيغ تخفف من الحروب المفتوحة، حتى وإن جاءت عبر تسويات جزئية أو إدارة صراعات منخفضة الحدة، بدل الانزلاق إلى مواجهات شاملة.

إعادة توزيع النفوذ

وختم الباحث التركي بالإشارة إلى أن ما يجري ليس جولة دبلوماسية عابرة، بل جزء من عملية أوسع لإعادة تشكيل الإقليم في ظل مرحلة انتقالية من النظام الدولي. واعتبر أن المنطقة تتجه نحو إدارة منظمة للصراع، عبر تحالفات جديدة وإعادة ترتيب ملفات كبرى واحتواء النفوذ الإيراني، مع ترسيخ دور إسرائيلي غير معلن.

وأشار إلى أن هذه المرحلة، رغم ما تحمله من وعود بالتهدئة، قد تكرّس في الوقت ذاته موازين قوى جديدة تحمل بذور أزمات مؤجلة، مؤكدًا أن الشرق الأوسط لا يدخل عصر سلام، بل مرحلة هادئة نسبيًا من إعادة توزيع النفوذ بثمن قد يتضح لاحقًا.