لماذا أصبح عدم الحرب هو السلاح الأخطر بين واشنطن وطهران؟
كيف تحوّلت إدارة التوتر مع إيران إلى سلاح أميركي أذكى من الحرب

في الصراع الممتد بين الولايات المتحدة وإيران، لم تعد الحرب السيناريو المرجح، بل ورقة مؤجلة.وأخطر ما في المواجهة ليس الضربة التي قد تقع، بل تلك التي لا تقع أبدًا، حيث يتحول التوتر إلى أداة استراتيجية تُستغل وتُدار بمنطق "حافة الانفجار" دون السقوط فيه.
فبحسب برنت سادلر، المسؤول السابق في وزارة الدفاع الأميركية، لا يوجد حتى الآن قرار نهائي بتوجيه ضربات ضد إيران، رغم امتلاك الجيش الأميركي خيارات متعددة تُعرض على الرئيس ترامب تحسبًا لأي تطور. هذا الغموض يعكس نمطًا متكررًا، يُستخدم فيه التلويح بالقوة كأداة ضغط لا كقرارًا نهائيًا.
ورغم تأكيد سادلر أن البرنامج النووي الإيراني وتطوير الصواريخ الباليستية يظلان في صدارة الاهتمام الأميركي، فإن تأجيل الحسم العسكري يعكس إدراكًا بكلفة الحرب الشاملة، مقابل إبقاء إيران تحت ضغط دائم دون الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة.
وبذلك فإن إدارة التوتر أصبحت سياسة رسمية غير معلنة، تتخذ شكل تصعيد محسوب ثم تهدئة مدروسة. هذا النمط يمكن كل طرف من تحقيق مكاسب داخلية وخارجية: واشنطن تظهر الحزم دون الانزلاق في حرب، وطهران تبرز كقوة صامدة دون مواجهة كاملة. في الوقت نفسه، تدرك واشنطن أن حربًا شاملة مع إيران ستكون مكلفة سياسيًا واقتصاديًا وتهدد استقرار أسواق الطاقة وحلفاءها، فيما تعلم طهران أن المواجهة المباشرة قد تفتح أبوابًا لا يمكن إغلاقها وتزيد الضغط على بنيتها الداخلية. النتيجة: طرفان يلوّحان بالقوة، لكن يستثمران في عدم استخدامها، لتتحول "الضربة التي لم تقع" إلى السلاح الأذكىز
ويرى مدير المنتدى الاستراتيجي للفكرمحمد أبو شامة، أن إيران تُعد الطرف الأكثر قلقًا في معادلة التصعيد الحالية، كونها الأضعف في مواجهة سياسة "الضغوط القصوى" التي تقودها واشنطن. ويشير إلى أن الولايات المتحدة لم تعد تعتمد على إسرائيل كواجهة للتصعيد،لانتزاع المخالب العسكرية والنووية لإيران بل تدير المشهد بنفسها، بعد فشل الأدوات التقليدية في تحقيق نتائج حاسمة.
ويضيف أبو شامة:"محاولات واشنطن لإسقاط النظام الإيراني من الداخل عبر دعم المظاهرات وانتفاضة البازار لم تحقق النتائج المرجوة، ما دفعها إلى تكثيف الحرب النفسية".مضيفاً:"تهديدات ترامب المتكررة أصبحت أداة ثابتة لبث الخلخلة النفسية، في إطار حرب نفسية سبق أن استخدمها الرئيس الأميركي في تجارب عدة، أبرزها فنزويلا، حيث نجح في بعض المحطات وتراجع في أخرى ما يعكس اعتماد هذه السياسة جزءًا من الاستراتيجية الأميركية،في عهد ترامب دون اتخاذ قرار الحرب. هكذا، تصبح "عدم الحرب" سياسة مدروسة وسلاح بطيئ طويل الأمد.

