«محفوظ وهي».. المرأة بوصفها مرآة المجتمع في عالم نجيب محفوظ بمعرض الكتاب

ضمن فعاليات الدورة السابعة والخمسين لمعرض القاهرة الدولي للكتاب، وفي إطار الاحتفاء باختيار الأديب العالمي نجيب محفوظ شخصية المعرض، استضاف الصالون الثقافي بـ«بلازا 2» عرض الفيلم الوثائقي «محفوظ وهي»، من إنتاج القناة الوثائقية المصرية وإخراج محسن عبد الغني، والذي قدّم قراءة مختلفة لعالم محفوظ، من خلال تتبع حضور المرأة في أعماله بوصفها مدخلًا لفهم المجتمع المصري وتحولاته العميقة.
يفتح الفيلم نافذة إنسانية وفكرية على مشروع نجيب محفوظ الروائي، متجاوزًا القراءات التقليدية، ليضع المرأة في مركز السرد باعتبارها مرآة تعكس الصراعات الطبقية، والأسئلة الوجودية، والتحولات الاجتماعية التي شهدتها مصر منذ بدايات القرن العشرين وحتى ما بعد ثورة يوليو 1952.

وفي تقديمه للفيلم، أوضح الناقد الفني والكاتب الصحفي أحمد سعد الدين، مدير الندوة، أن العمل لا يتعامل مع المرأة كشخصية هامشية أو نموذج نمطي، بل بوصفها مفتاحًا تحليليًا لفهم بنية المجتمع عند محفوظ، وما يطرحه من أسئلة حول العدالة والحرية والمصير الإنساني.
وشارك في الفيلم عدد من النقاد والكتاب والروائيين العرب، الذين قدّموا قراءات متعددة لعالم محفوظ النسائي. وتوقف الناقد الأدبي زكي سالم عند شخصيات نسائية بارزة، وفي مقدمتها شخصية نفيسة، معتبرًا أن مصيرها المأساوي لم يكن نتيجة سقوط أخلاقي بقدر ما كان نتاج غياب العدالة الاجتماعية، مؤكدًا أن تعاطف محفوظ مع المهمشين شكّل جوهر رؤيته الإنسانية. وأشار إلى أن نظرة محفوظ للمرأة أكثر اتساعًا وتعقيدًا من محاولات اختزالها في نماذج محدودة، مستشهدًا بملحمة «الحرافيش» كنموذج لهذا العمق.

كما تناول زكي سالم علاقة محفوظ المبكرة بالمرأة عبر ارتباطه الوثيق بوالدته فاطمة، موضحًا أن هذا الحضور المبكر، المتداخل مع أحداث ثورة 1919، أسهم في تشكيل وعيه، وصولًا إلى دراسته الفلسفة بجامعة القاهرة، وصدور روايته الأولى «عبث الأقدار» عام 1939.
من جانبه، قدّم الدكتور محمد بدوي، أستاذ الأدب العربي بجامعة القاهرة، قراءة في شخصية «نور» برواية «اللص والكلاب»، بوصفها نموذجًا لما يُعرف بـ«العاهرة الفاضلة» التي يدينها المجتمع بينما يتغاضى عن قسوته، مشيرًا إلى تكرار هذا النموذج في أعمال محفوظ، كما توقف عند شخصية «ريري» في «السمان والخريف» باعتبارها انعكاسًا لتناقضات المجتمع وأحكامه القاسية.

ورأى الكاتب الكويتي عبد الوهاب الحمادي أن براعة محفوظ تكمن في رسم شخصياته النسائية والإنسانية عمومًا بقدر كبير من التعقيد، يجعل القارئ أقرب إلى فهم دوافعها لا محاكمتها، مؤكدًا أن حضور المرأة كان محوريًا منذ رواياته الأولى مثل «عبث الأقدار» و«كفاح طيبة».
وتناولت الروائية منصورة عز الدين الضغوط الاجتماعية والوجودية التي تواجه المرأة في عالم محفوظ، مشيرة إلى الصراعات الداخلية التي تعيشها شخصياته، مثل نفيسة في «بداية ونهاية»، وصراع الأم والزوجة في «الطريق»، وتجسيد شخصية كريمة لهذا التوتر الوجودي.

أما الناقدة والروائية الدكتورة مي التلمساني، فاعتبرت أن نجيب محفوظ قدّم المرأة باعتبارها مقياسًا لنجاح المجتمع أو فشله، مؤكدة أن شخصياته النسائية، شأنها شأن الرجالية، مشبعة بالتناقضات. وتوقفت عند نفيسة وحميدة في «زقاق المدق»، حيث رأت نفيسة ضحية مزدوجة للفقر وسلطة الذكورة، بينما تمثل حميدة نموذجًا يسعى إلى حرية زائفة تخفي فراغًا داخليًا واستعدادًا للتنازل من أجل الصعود الاجتماعي.
وأشارت التلمساني إلى أن خروج «بنت الحارة» عن المنظومة المحافظة في عالم محفوظ غالبًا ما يقود إلى الضياع والاستغلال، في تصوير واقعي قاسٍ لبنية المجتمع وآلياته.
كما شارك في الفيلم عدد من الأسماء البارزة، من بينهم الدكتور حسين حمودة، أحد رفاق محفوظ في سنواته الأخيرة، والروائي والناقد أحمد القرملاوي، والأديب الكبير نعيم صبري، والروائية الدكتورة سحر الموجي، التي أكدت أن المرأة في أعمال محفوظ كانت شخصية فاعلة تعكس عنف التحولات المجتمعية دون إصدار أحكام مباشرة. وتحدث الروائي السوداني حمور زيادة عن شخصية زهيرة في «شهرزاد الملكة»، بوصفها مثالًا على تحول الضحية إلى جلاد، بينما تناولت الدكتورة لنا عبد الرحمن البعد الفلسفي والوجودي في أعمال محفوظ، مؤكدة أن أسئلة العدالة كثيرًا ما طُرحت عبر بطلاته.
وتخلل الفيلم مشاهد من الأعمال السينمائية المأخوذة عن روايات محفوظ، إلى جانب مقاطع أرشيفية من لقاءاته التلفزيونية، التي عبّر فيها عن رؤيته للمجتمع، خاصة في مرحلة ما بعد ثورة يوليو. وأشارت الناقدة وفاء السعيد إلى أن محفوظ، بوعي أو بدونه، كان يسعى لتحرير المرأة، معتبرة أن خروج أمينة من البيت في «بين القصرين» يحمل دلالة رمزية لتحرر المجتمع بأكمله، ضمن ثنائية المقدس والمدنس.
وعقب العرض، أدار أحمد سعد الدين نقاشًا مفتوحًا، مؤكدًا أن عالم نجيب محفوظ لا يمكن اختزاله في عمل واحد، وأن اختيار «خط المرأة» كان اختيارًا ذكيًا، لأنه يمثل جزءًا أصيلًا من التاريخ الاجتماعي والثقافي لمصر الحديثة.
من جانبه، أوضح الكاتب الكبير ورئيس الإنتاج شريف سعيد أن فكرة الفيلم جاءت لتسليط الضوء على زاوية لم تُتناول كثيرًا في قراءة محفوظ، مشددًا على أن الإنتاج الثقافي والفني يمثل أداة مهمة في مواجهة التطرف ودعم الهوية المصرية. وأشاد بالدور الذي لعبه صانع الفكرة سيد محمود، مؤكدًا أن الفيلم جاء بمبادرة من الشركة المتحدة، ليكون أول عمل تنتجه القناة الوثائقية عن نجيب محفوظ، متزامنًا مع اختياره شخصية المعرض.
كما استعرض مدير المحتوى أحمد مراحل صناعة الفيلم، من تطوير الفكرة واختيار الضيوف بعناية، إلى المونتاج النهائي، موضحًا أن العمل استغرق قرابة عام، وأن تنوع الرؤى كان أحد أبرز مكاسبه. وأعرب المخرج محسن عبد الغني عن سعادته بتقديم فيلم يتناول عالم محفوظ من زاوية مختلفة، مشيرًا إلى التحديات البصرية التي واجهها، واستخدامه الذكاء الاصطناعي بشكل هادئ لخدمة الفكرة، وجذب الأجيال الجديدة عبر الدمج بين الأرشيف والمشاهد السينمائية والصور.
وفي ختام الفعالية، أكد أحمد سعد الدين أن السينما لا تختزل أدب نجيب محفوظ، وأن القراءة تظل الطريق الأعمق لفهم عالمه وتحولات المجتمع المصري، خاصة في السبعينيات، وهي الرسالة الأساسية التي سعى الفيلم إلى ترسيخها، احتفاءً بالقيمة الأدبية والإنسانية الخالدة لنجيب محفوظ في الوجدان العربي.

