النهار
جريدة النهار المصرية

ثقافة

محيي الدين اللباد.. فيلسوف الصورة الذي صنع هوية الطفل المصري في معرض الكتاب

اللباد.. الهوية في رسوم الأطفال
محمد هلوان -

في احتفالية فنية وثقافية خاصة، احتضن الصالون الثقافي بـ«بلازا 2» ضمن فعاليات معرض القاهرة الدولي للكتاب، ندوة بعنوان «اللباد.. الهوية في رسوم الأطفال»، وذلك احتفاءً باختيار الفنان التشكيلي الراحل محيي الدين اللباد شخصية لمعرض كتاب الطفل، بوصفه أحد أبرز من صاغوا ملامح الهوية البصرية للطفل المصري والعربي.

أدارت الندوة الكاتبة الكبيرة فاطمة المعدول، وشارك فيها الفنان أحمد اللباد والرسام وليد طاهر، حيث قدّم المتحدثون قراءة معمقة في تجربة اللباد، التي تجاوزت حدود الرسم لتؤسس لرؤية فكرية متكاملة في فنون الطفل، جعلته يُوصف بـ«فيلسوف الصورة».

اللباد.. الهوية في رسوم الأطفال

واستهلت فاطمة المعدول حديثها بكشف كواليس اختيار اللباد شخصية العام لكتاب الطفل، موضحة أنها رشحت اسمه بصفتها عضواً في اللجنة الاستشارية العليا للمعرض، انطلاقاً من قناعتها بأن رسام كتب الأطفال شريك أصيل في صناعة وعي الطفل، لا مجرد مكمّل للنص المكتوب.

وأكدت المعدول أن محيي الدين اللباد لم يكن موهبة عابرة، بل صاحب مشروع فكري وبصري متكامل، مشيرة إلى أنه «مؤسس لمهنة» وصانع لهوية بصرية متجذرة في الوجدان المصري منذ ثورة 1919، أثرت في أجيال متعاقبة من الأطفال. وأضافت أن اللباد، رغم انحيازه العميق للمحلية المصرية، كان ذا رؤية عروبية واسعة، وامتلك روحًا نقدية شديدة الحساسية والوعي.

اللباد.. الهوية في رسوم الأطفال

من جانبه، استعرض الفنان أحمد اللباد ملامح الرحلة الإبداعية لوالده، مشيرًا إلى أنه وُلد عام 1940، وبدأ شغفه بالرسم في سن مبكرة، حيث كان يراسل المجلات وهو لا يزال طالبًا، قبل أن يحظى بدعم الفنان الكبير حسين بيكار، الذي شجعه على احتراف الرسم.

وأوضح أن اللباد التحق بكلية الفنون الجميلة عام 1956 لدراسة التصوير الزيتي، لكنه سرعان ما اختار مسارًا مختلفًا، مزج فيه بين الكاريكاتير والتصميم والتواصل البصري. وتوقف عند المحطات المفصلية في مسيرته، بدءًا من مشاركته في تأسيس مجلة «كروان» عام 1964، ثم انضمامه إلى مجلة «سمير» عام 1967، ودوره البارز في تأسيس دار «الفتى العربي» عام 1974، وصولًا إلى تصميم الماكيت الرئيسي لمجلة «العربي الصغير» عام 1986، وهو الدور الذي ظل وفيًا له حتى رحيله عام 2010.

اللباد.. الهوية في رسوم الأطفال

وأشار أحمد اللباد إلى أن تجربة والده قامت على ثلاثة مسارات متداخلة: الرسم، والتصميم الجرافيكي، والكاريكاتير، موضحًا أن تميّزه الحقيقي تمثل في قدرته على توظيف خبرته في الرسم للأطفال داخل فن الكاريكاتير، والعكس، ما أفرز لغة بصرية خاصة تجمع بين العمق والبساطة.

وأضاف أن اللباد كان منشغلاً بقضية الهوية بعيدًا عن الشعارات، ممارسًا إياها من خلال ما وصفه بـ«التأصيل للمهنة»، ولم يكتف بإنتاجه الإبداعي، بل لعب دور المعلم، ناقلًا خبراته عبر الورش والمحاضرات، ومؤكدًا دائمًا على الصدق والتماهي بين الفنان وأسلوبه.

وفي شهادة إنسانية وفنية، تحدث الرسام وليد طاهر عن التأثير العميق لمحيي الدين اللباد في جيله، واصفًا إياه بـ«المعلم الموجه» الذي اتسمت نصائحه بالدقة والحساسية الشديدة. واعتبر كتابه الشهير «نظر» بمثابة مرجع أساسي أو «مانيفستو» للهوية البصرية والثقافية، لما يحمله من مزج نادر بين الحرفية العالية والرؤية النقدية.

كما أشاد طاهر بدور اللباد في نقل الخبرات العالمية إلى الداخل، مستشهدًا بتوثيقه الدقيق لزيارته لمعرض «بولونيا لكتاب الطفل»، وحرصه على مشاركة التجارب الدولية مع الأجيال الشابة بأسلوب تعليمي رفيع، يعكس إيمانه العميق بدور المعرفة في تطوير فنون الطفل.

وقدّمت الندوة صورة متكاملة لفنان لم يكن مجرد رسام، بل مشروعًا ثقافيًا متكاملًا، أسهم في تشكيل وعي الطفل المصري، ورسّخ لفكرة أن الصورة قادرة على أن تكون لغة تفكير وهوية وثقافة.