النهار
جريدة النهار المصرية

عربي ودولي

حرب بدون رصاص: كيف تستخدم واشنطن التأمين والمال لإحكام الضغط على إيران

د. محمد اليمني لـ”النهار”: ”القوة العسكرية لم تعد المقياس في الحرب الإيرانية الأمريكية.. الاقتصاد هو ساحة الصراع”

خبير العلاقات الدولية ،د.محمد اليمني
هالة عبد الهادي -

بجانب حاملات الطائرات والتهديدات العسكرية، تُدار واحدة من أخطر جبهات الصراع بين إيران والولايات المتحدة داخل مكاتب لندن ونيويورك، حيث تُتخذ قرارات قادرة على خنق اقتصاد دول بأكملها. هنا، تتحول المواجهة من حرب عسكرية إلى معركة أرقام وتصنيفات ومخاطر، هدفها إنهاك الخصم دون إطلاق رصاص، حرب مالية تحقق ما تعجز عنه القوة العسكرية.

وفي قلب هذه المواجهة غير التقليدية، برزت شركات التأمين البحري كأداة ضغط فعالة، تحول المخاطر السياسية إلى أعباء مالية مباشرة على حركة التجارة العالمية. فمع كل تصعيد سياسي أو أمني في الخليج، ترتفع أقساط التأمين على السفن العابرة لمضيق هرمز إلى مستويات تضاعف كلفة الشحن، وفي بعض الحالات تُسحب التغطية بالكامل، ما يجعل السفن بلا تأمين، والتجارة بلا جدوى، وأسواق تتجمد قبل أن تتحرك الأساطيل.ولا تتوقف آثار هذا الضغط عند حدود ارتفاع الكلفة فقط، بل تمتد إلى إعادة رسم خريطة الملاحة العالمية.

ولفهم الكيفية التي تعمل بها هذه الآلية المعقدة، يشرح خبير العلاقات الدولية د. محمد اليمني في تصريحات خاصة ل"النهار" طبيعة هذا النمط من الصراع، موضحًا كيف يُدار الحصار الاقتصادي من دون إعلان رسمي، وبأدوات تبدو فنية ومحايدة في ظاهرها قائلاً:"في هذه الجبهة، لا تُستهدف السفن بالصواريخ، بل تُستهدف بزيادة الأقساط التأمينية، ولا تُفرض الحصارات بالأساطيل، بل بتعديل تصنيفات المخاطر، ولا يُعلن الحصار رسميًا، لكنه يتحقق فعليًا عندما تجد شركات الشحن العالمية نفسها عاجزة عن تأمين سفنها أو عن تحمل كلفة المرور عبر مناطق مصنفة "عالية الخطورة". وهنا تكمن عبقرية هذا النمط من الصراع: حرب بلا إعلان، وضغط بلا مسؤولية مباشرة، ونتائج اقتصادية تتجاوز في تأثيرها أحيانًا نتائج الضربات العسكرية المحدودة."

و ينتقل د. اليمني إلى تفكيك الإطار النظري الذي يحكم عمل شركات التأمين، كاشفًا الفجوة بين القواعد المهنية والتطبيق الفعلي على الأرض موضحاً: "من الناحية النظرية، يفترض أن تعمل شركات التأمين البحري وفق معايير مهنية بحتة، تستند إلى تقييم المخاطر الأمنية، واحتمالات التعرض لهجمات، وسلامة الممرات البحرية. غير أن الواقع يكشف غير ذلك حيث أن هذه المعايير، وإن بدت تقنية ومحايدة، لا تنفصل عن السياق السياسي العام، ولا عن ميزان القوة داخل النظام الدولي. فحين تُصنف مناطق قريبة من إيران، أو موانئ إيرانية بعينها، كمناطق "خطر مرتفع"، لا يحدث ذلك في فراغ بل ضمن بيئة سياسية تُضخّم فيها المخاطر، وتُفسر فيها أي حادثة صغيرة باعتبارها مؤشرًا على تهديد استراتيجي واسع".

وبسؤاله عن الأساسيات التي تُبنى عليها قرارات شركات التأمين البحري، وما إذا كانت تعكس تهديدات أمنية فعلية أم حسابات سياسية، مموّهة بلغة فنية؟ أجاب خبير العلاقات الدولية د. محمد اليمني:"الواقع يشير إلى تداخل معقد بين العاملين. فمن جهة، لا يمكن إنكار أن المنطقة تشهد توترات حقيقية، وأن احتمالات الاحتكاك قائمة. لكن من جهة أخرى، فإن تضخيم المخاطر غالبًا ما يسبق الأحداث، أو يرافق تصعيدًا سياسيًا أميركيًا، حتى في فترات لم تشهد حوادث بحرية فعلية تُبرر هذه القفزات الكبيرة في الأقساط والتصنيفات".

ويعزّز هذا الطرح، بحسب الخبير، التزامن الواضح بين المسارات السياسية والقرارات الاقتصادية الصادرة عن مؤسسات يفترض أنها مستقلة. حيث وضح :"هذا التزامن الزمني بين الضغوط السياسية الأميركية وقرارات شركات التأمين يثير تساؤلات مشروعة حول استقلالية هذه الشركات، وحول مدى خضوعها غير المباشر لمناخ سياسي تقوده واشنطن. فالمراكز المالية الكبرى التي تحتضن هذه الشركات، سواء في لندن أو نيويورك، لا تعمل خارج منطق التحالفات الاستراتيجية، ولا بمعزل عن الرؤية الأميركية للأمن العالمي وسلاسل الإمداد".

وعلى مستوى النتائج العملية، يوضح د. اليمني أن هذه السياسات تخرج سريعًا من الإطار النظري إلى تأثيرات مباشرة تطال حركة التجارة والأسواق العالمية.موضحا:"إن انسحاب شركات الشحن والتأمين يترك آثارًا عميقة تتجاوز الأرقام المجردة. فارتفاع كلفة الشحن ينعكس مباشرة على سلاسل الإمداد وأسعار السلع الأساسية، والطاقة، والمواد الخام، خصوصًا في الاقتصادات المستوردة التي تعتمد على استقرار خطوط الإمداد".لافتاً إلي أن إعادة توجيه السفن نحو مسارات أطول وأكثر كلفة، يزيد من زمن التسليم، ويضغط على سلاسل التوريد والإمداد العالمية التي لا تزال هشة منذ جائحة كورونا. النتيجه : ضغط اقتصادي صامت لكنه عميق الأثر .

كما يلفت الخبير إلى أن تداعيات هذه السياسات لا تبقى محصورة داخل إيران، بل تمتد إلى الإقليم بأكمله، لتتحول من ضغط موجه إلى تأثير جماعي واسع مؤكداً أن هذه التصنيفات لا تقتصر آثارها على طهران وحدها، بل تمتد لتطال الموانئ الخليجية، ومسارات الشحن التي تمر عبر مضيق هرمز، بما يحوّل الممر البحري الأهم عالميًا إلى مساحة ضغط اقتصادي جماعي، قائلاً:"ارتفاع أقساط التأمين على السفن العابرة، حتى دون وقوع حوادث فعلية، يرفع تلقائيًا كلفة الشحن، ويُجبر شركات عالمية كبرى على إعادة حساباتها، إما عبر تغيير المسارات، أو تقليص عدد الرحلات، أو الانسحاب الكامل من بعض الموانئ التي لم تعد مجدية اقتصاديًا".

وبهذا المعنى، يرى د. اليمني أن الولايات المتحدة تحقق أحد أهدافها الأساسية من دون خوض مواجهة عسكرية مباشرة، عبر نقل كلفة الصراع إلى المجال التجاري والمالي حيث يتحقق الهدف الأميركي غير المعلن: وهو إنهاك الخصم اقتصاديًا من دون تحمّل كلفة المواجهة العسكرية، ومن دون التورط في حرب قد تتوسع وتخرج عن السيطرة، كما أشارإلي أنه :"حين تنسحب شركات الشحن والتأمين، لا يعود الأمر مجرد ضغط على إيران، بل يتحول إلى رسالة ردع غير مباشرة: وأي تصعيد عسكري سيقود إلى خنق تجاري أوسع، لا تتحمل تبعاته دولة واحدة فقط، بل الإقليم بأسره".

ويختتم الخبير قراءته بالتحذير من أن هذه الحرب المالية تعيد صياغة مفهوم السيادة الاقتصادية ذاته قائلاً :"إن هذه الحرب المالية الصامتة تُعيد تعريف مفهوم السيادة الاقتصادية. فالدول قد تمتلك موانئ، وسواحل، وممرات بحرية، لكنها تظل رهينة قرارات شركات خاصة عابرة للحدود، قادرة على تعطيل التجارة بقرار إداري واحد. وهنا، يصبح الاقتصاد العالمي ساحة صراع غير متكافئة، حيث تمتلك القوى الكبرى أدوات ضغط لا تستطيع الدول المتوسطة أو المحاصَرة مجاراتها".

كما أوضح الخبير أن واشنطن تراهن على أدوات الضغط المالي، عبر سلاح التأمين والتصنيف وتقديرات المخاطر، في المقابل تراهن طهران على الصبر والالتفاف وتحميل الخصوم كلفة الاضطراب الإقليمي. وبين هذين الرهانين، تقف التجارة العالمية رهينة حسابات سياسية تُدار خلف مكاتب أنيقة، لكنها تمتلك قدرة حقيقية على إشعال أزمات اقتصادية لا تقل خطورة عن الحروب التقليدية.

ويستخلص د. محمد اليمني في ختام حديثه أن هذه الجبهة غير المرئية في الصراع الأميركي–الإيراني لم تعد تُقاس فقط بعدد الصواريخ أو حجم الحشود العسكرية، بل بقدرة كل طرف على التأثير في مفاصل النظام المالي والتجاري العالمي.