سياسي فلسطيني: هكذا تعيد واشنطن ونتنياهو رسم المرحلة الثانية ومستقبل غزة

يقرأ الكاتب والسياسي الفلسطيني سميح خلف، التطورات الأخيرة المرتبطة بالإعلان عن العثور على جثة آخر أسير إسرائيلي في قطاع غزة بوصفها نقطة تحول سياسية تتجاوز البعد الإنساني أو الأمني، وتمتد إلى إعادة تشكيل المرحلة الثانية من خطة ترامب، وصراع الإرادات بين واشنطن وتل أبيب حول مستقبل قطاع غزة.
ويشير خلف، في تصريحات لـ"النهار"، إلى أن الرئيس الأمريكي، وفي مقابلة مع موقع “أكسيوس”، صرّح بأن حركة حماس ساعدت في العثور على جثة آخر أسير إسرائيلي في قطاع غزة، وهو ما دفعه إلى دعوة الحركة للالتزام بنزع سلاحها، في خطوة تعكس انتقال الخطاب الأمريكي من إدارة التهدئة إلى فرض استحقاقات سياسية وأمنية مباشرة.
ضغط أمريكي متأخر
يوضح خلف أنه قبل نحو أسبوعين، أعلن البيت الأبيض رسميًا عن بدء المرحلة الثانية من خطة ترامب، إلا أن موقف بنيامين نتنياهو ظل مشروطًا بعودة آخر أسير إسرائيلي، وهو ما أدى إلى تعطيل تنفيذ استحقاقات هذه المرحلة.
هذا التعنت دفع الإدارة الأمريكية إلى إرسال مبعوثيها، جاريد كوشنير وستيف ويتكوف، للقاء نتنياهو، في محاولة للضغط عليه للبدء في تنفيذ المرحلة الثانية. وبحسب مصادر أمريكية، فإن عملية البحث عن الجثة كانت شديدة التعقيد، إذ جرت بين نحو 250 جثة في مقبرة الشجاعية شرق مدينة غزة، وهو ما أسقط، في نهاية المطاف، كل الذرائع التي كان يستخدمها نتنياهو للتهرب من تنفيذ الاستحقاقات السياسية.
تحول في خطاب نتنياهو
يلفت خلف إلى أن اللافت للنظر هو أن نتنياهو، وبعد لقاء كوشنير وويتكوف، بدأ يتحدث عن الإسراع في البدء بالمرحلة الثانية، لكن وفق رؤيته الخاصة. فمن وجهة نظره، يجب أن تبدأ هذه المرحلة بنزع سلاح حركة حماس، وليس بإعادة الإعمار.
ويضيف أن من النتائج المهمة لزيارة المبعوثين الأمريكيين فتح معبر رفح في كلا الاتجاهين، لكن مع تحفظات أمنية إسرائيلية صارمة على آلية العمل، سواء فيما يتعلق بالدخول أو الخروج. وترى إسرائيل، وفق هذا التصور، ضرورة وجود معبر آخر يسبق معبر رفح البري، يتم تشغيله أمميًا، على أن تخضع أسماء المسافرين لاحقًا لفحص أمني إسرائيلي مباشر.
مساعدات مؤجلة وإعمار مشروط
يشير خلف إلى أنه حتى الآن لم يتم التوصل إلى اتفاق واضح بشأن المعونات الإنسانية التي يُفترض إدخالها خلال شهر فبراير، في ظل إصرار نتنياهو على أن مصلحة إسرائيل تقتضي تسريع الانتقال إلى المرحلة الثانية عبر نزع سلاح حماس أولًا، ثم البدء بعملية الإعمار بعد التأكد الأمني والفني من تفكيك هذا السلاح.
ويؤكد أن هذا الطرح يعكس محاولة إسرائيل ربط كل المسارات الإنسانية والمدنية بالمسار الأمني، وتحويل الإعمار من حق إنساني إلى أداة ضغط سياسي.
فجوة نزع السلاح
يرى خلف أن المشكلة الأكثر تعقيدًا تكمن في الفجوة العميقة بين الموقف الإسرائيلي وموقف حركة حماس فيما يتعلق بنزع السلاح. فنتنياهو يتحدث عن مستقبل لقطاع غزة بلا حماس، ليس فقط عسكريًا، بل سياسيًا وأمنيًا أيضًا.
في المقابل، ما يُطرح إقليميًا يقتصر على نزع السلاح الثقيل والمتوسط، وتدمير الأنفاق الاستراتيجية والتشغيلية التي تمتد لعشرات الكيلومترات، وبعضها يقع تحت منشآت مدنية، وهي عملية معقدة بطبيعتها، وقد تستغرق شهورًا طويلة.
الوسطاء والخيارات البديلة
يوضح خلف أن الوسطاء يرون أن السلاح الفردي لحركة حماس يمكن التعامل معه في مرحلة لاحقة، عبر تسليمه لجهة فلسطينية تابعة للجنة الإدارية المؤقتة، أو لدولة أخرى مثل مصر أو تركيا، في حال قبلت إسرائيل بوجود قوات تركية ضمن قوة حفظ السلام.
ويشير إلى أن هذه الطروحات تعكس محاولة لإيجاد تسويات مرحلية، لكنّها تصطدم حتى الآن بإصرار إسرائيلي على الحسم الكامل لمسألة السلاح.
لغة النصر والانتخابات
يعتقد خلف أن نتنياهو حريص على إبراز خطاب “النصر” وتحقيق أهداف الحرب، المتمثلة في عودة الأسرى، وإنهاء حكم حماس، وإنهاء وجودها كتنظيم، إلى جانب فرض نفوذ أمني واسع على ما يقارب 60% من مساحة قطاع غزة.
هذه المساحة، بحسب التصورات المطروحة، يُفترض أن تنتشر فيها قوة حفظ سلام، لا يزال دورها محل خلاف حتى اللحظة. ويرى خلف أن نتنياهو يريد توظيف هذه المعطيات سياسيًا للدخول إلى الانتخابات الإسرائيلية المقبلة في شهر أكتوبر بوصفه “منتصرًا”، وفي يده الحماية الترامبية من أي مساءلة قضائية أمام المحكمة العليا الإسرائيلية.
انسحاب مراوغ وخط أصفر
يشير خلف إلى أن نتنياهو سيحاول المماطلة والتلكؤ في الانسحاب من الأراضي الواقعة دون الخط الأصفر، معتبرًا أن هناك تناقضًا واضحًا في الأهداف بين إسرائيل وأمريكا، خصوصًا فيما يتعلق بمستقبل قطاع غزة.
فأمريكا، بحسب هذا التصور، تريد غزة وفق “حلم نتنياهو” المعلن سابقًا، أي غزة الريفييرا والمنتجعات السياحية، واستغلال حقول غاز غزة المقدّرة بعدة تريليونات من الأمتار المكعبة، إلى جانب حقول بترول مدفونة تُقدّر قيمتها بنحو 114 مليار دولار.
غزة في حرب الطاقة
يرى خلف أن الإدارة الأمريكية تنظر إلى غاز غزة بوصفه ورقة في حربها المباشرة مع الصين ضمن ما يُعرف بحرب الطاقة، إضافة إلى دوره المحتمل في معالجة أزمات التضخم والبطالة داخل أمريكا، على غرار ما جرى في فنزويلا، وكذلك في سياق أطماع استراتيجية مشابهة لتلك التي ظهرت تجاه جزيرة جرينلاند.
في المقابل، تنظر إسرائيل إلى قطاع غزة باعتباره منطقة أمنية واقتصادية يجب أن تحتفظ فيها بنفوذ مباشر يخدم أمنها واقتصادها، وترى أن الهيمنة الأمريكية الكاملة على القطاع تعني إضعاف دورها الوظيفي في المنطقة، بل وربما إنهاء هذا الدور.
تناقض قادم ووصاية طويلة
يخلص خلف إلى أن المرحلة المقبلة قد تشهد تناقضًا واضحًا في العلاقات الأمريكية الإسرائيلية بشأن مستقبل قطاع غزة، إلا أن إسرائيل، في نهاية المطاف، لن تكون قادرة على مواجهة جشع ترامب ورجال الأعمال الكبار في أمريكا والعالم.
ويرجّح أن يتم تشكيل مجلس سلام دولي بقيادة ترامب يضم نحو 50 دولة، وهو ما سيدفع نتنياهو لمحاولة إبطال تنفيذ المرحلة الثانية وملحقاتها قدر الإمكان. ومع ذلك، يرى خلف أن النتيجة النهائية ستكون بقاء قطاع غزة تحت وصاية أمريكية مباشرة لمدة تصل إلى خمس سنوات، وتحويل آبار غاز غزة وحقول بترولها إلى حقيبة إنتاجية تخدم بالأساس الاقتصاد الأمريكي.

