النهار
جريدة النهار المصرية

المحافظات

أسيوط تعيد صياغة علاقتها بالمجتمع المدني: من المبادرات الرمزية إلى شراكات تنموية

سمير رشوان الجعفري -

يعكس لقاء اللواء الدكتور هشام أبو النصر، محافظ أسيوط، مع مجلس أمناء بيت العائلة المصرية بالمحافظة تحولا لافتاً في طريقة إدارة الملفات المجتمعية، حيث لم يقتصر النقاش على القضايا الرمزية المرتبطة بالتعايش الوطني، بل امتد إلى طرح حزمة مبادرات تنموية تحمل أبعاداً تعليمية وزراعية وإنسانية، في محاولة لربط الخطاب المجتمعي ببرامج ملموسة على الأرض.

التحرك يأتي في سياق أوسع تشهده المحافظة، يتمثل في توسيع دوائر الشراكة مع المؤسسات الدينية والمجتمعية، وتحويلها من منصات للتوافق الرمزي إلى أدوات داعمة لخطط التنمية المحلية، وهو ما ظهر بوضوح في المبادرات التي جرى الإعلان عنها خلال اللقاء.

تكريم أوائل الطلاب وأوائل الكليات لا يمكن قراءته فقط بوصفه فعالية احتفالية، بل كرسالة ضمنية لإعادة الاعتبار لقيمة التفوق العلمي في بيئة اجتماعية باتت فيها نماذج النجاح السريع أكثر حضورًا من نماذج التفوق الأكاديمي. كما أن إطلاق مسابقات في القطاع الزراعي لاختيار أفضل فلاح وأفضل زراعة وأفضل مربي ماشية يعكس إدراكًا لأهمية تحفيز الريف على الإنتاج، في محافظة يمثل فيها القطاع الزراعي ركيزة اقتصادية واجتماعية رئيسية.

في البعد الإنساني، يبرز دعم مرضى معهد جنوب مصر للأورام وأسرهم كمؤشر على محاولة دمج الملف الصحي في إطار المسؤولية المجتمعية، بدل التعامل معه كقطاع خدمي منفصل، وهو توجه يتسق مع رؤية أوسع لبناء منظومة دعم متكاملة للفئات الأولى بالرعاية.

أما الدعوة لتنظيم زيارة لمجمع الأديان بسانت كاترين، فتطرح بُعداً ثقافياً في خطاب المواطنة، يستهدف ترسيخ ثقافة قبول الآخر لدى الأجيال الجديدة، عبر التجربة والمعايشة، لا عبر الشعارات والخطابات التقليدية.

اللافت كذلك دعوة محافظ أسيوط لأعضاء بيت العائلة للمشاركة في جلسات المجلس التنفيذي للمحافظة، وهي خطوة تحمل دلالة سياسية وإدارية مهمة، تعكس توجهاً نحو تعزيز المشاركة المجتمعية في صنع القرار المحلي، وتوسيع دائرة التشاور حول القضايا التي تمس المواطنين مباشرة.

وفي موازاة ذلك، جاء التأكيد على مواجهة الظواهر السلبية، وعلى رأسها الثأر والبطالة، ليعيد طرح سؤال الثقافة المجتمعية كعنصر حاسم في معادلة التنمية، إذ لا يمكن لأي خطط اقتصادية أن تنجح دون تغيير أنماط التفكير والسلوك المرتبطة بالعمل والإنتاج والتدريب المهني.

في المحصلة، تبدو أسيوط أمام محاولة لإعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع المحلي، عبر أدوات ناعمة تقوم على التشاركية وبناء الثقة، بدل الاقتصار على الأطر الإدارية التقليديةويبقى التحدي الحقيقي في قدرة هذه المبادرات على التحول من عناوين معلنة إلى برامج مستدامة تقاس بنتائجها على الأرض، حيث يظل المواطن هو المعيار النهائي لأي نجاح تنموي.