حين يكتب الدبلوماسيون.. الثقافة بوصفها الوجه الآخر للسياسة
من البرقية إلى الرواية.. الدبلوماسيون المصريون يكتبون ذاكرتهم الثقافية على منصة «تجارب ثقافية» بمعرض الكتاب

شهد محور «تجارب ثقافية» ضمن فعاليات الدورة السابعة والخمسين من معرض القاهرة الدولي للكتاب، انعقاد ندوة بعنوان «كتابات الدبلوماسيين المصريين خلال عام 2025»، بمشاركة نخبة من السفراء والدبلوماسيين المصريين الذين قدموا خلال العام إصدارات فكرية وأدبية وسياسية متنوعة، عكست خبراتهم الممتدة في العمل الدبلوماسي، وسلطت الضوء على الدور الثقافي والمعرفي للدبلوماسي المصري، إلى جانب دوره المهني الرسمي.
شارك في الندوة كل من السفير أشرف عقل، والسفير ناجي غابة، والسفيرة الدكتورة عبير بسيوني، والسفير محمد مصطفى عرفي، والسفيرة ميرفت تلاوي، إلى جانب السكرتير الثالث الدكتورة هاجر عبد اللطيف، وأدار اللقاء السفير عمرو الجويلي، الذي استهل الندوة بتقديم قراءة عامة لمفهوم «الدبلوماسية العامة»، معتبرًا أن الكتابة تمثل امتدادًا طبيعيًا للعمل الدبلوماسي وأحد أدواته المؤثرة في التواصل مع الشعوب.

الدبلوماسية العامة.. من التقارير المغلقة إلى الفضاء الثقافي
وفي مستهل كلمته، أوضح السفير عمرو الجويلي أن هذه الفعالية تأتي لكشف وجه آخر من إسهامات الدبلوماسي المصري، لا يقتصر على البرقيات الرسمية أو التقارير المغلقة، بل يمتد إلى المجال الثقافي العام، في إطار ما يُعرف بالدبلوماسية العامة، التي تطورت لتصبح أداة فاعلة للتواصل مع الشعوب وليس الحكومات فقط.
وأشار الجويلي إلى العمل الجاري على إعداد مرجع شامل بعنوان «من البرقية إلى الكتاب»، يوثّق كتابات الدبلوماسيين المصريين، موضحًا أنه تم حصر نحو ألف إصدار حتى الآن، تتنوع بين المذكرات الدبلوماسية، والدراسات الاستراتيجية، والتنمية المقارنة، والعلاقات الدولية، إلى جانب الرواية والأدب، معربًا عن أمله في صدور هذا المرجع بالتزامن مع الاحتفال بيوم الدبلوماسية المصرية في مارس 2026.

ميرفت تلاوي.. شهادة امرأة من الصعيد على صناعة القرار
وقدمت السفيرة ميرفت تلاوي عرضًا موسعًا لكتابها «امرأة من الصعيد: مذكرات السفيرة ميرفت تلاوي»، مؤكدة أن الكتاب لا يندرج فقط ضمن أدبيات المذكرات الدبلوماسية، بل يوثق تجربة متكاملة للعمل العام داخل مصر وخارجها، سواء في وزارة الخارجية أو في المحافل الدولية.
واستعرضت تلاوي محطات عملها في فيينا وجنيف واليابان، ودورها في مؤتمرات دولية محورية، أبرزها مؤتمر السكان والتنمية بالقاهرة عام 1994، ومؤتمر بكين الرابع للمرأة، مشيرة إلى رئاسة مصر للجنة السكان خلال مؤتمر بكين اعتمادًا على الخبرة المصرية السابقة، وهو ما أسهم في إنجاح واحدة من أكثر اللجان تعقيدًا.
كما تطرقت إلى تجربتها في ملف «كوبري السلام»، موضحة كيف تحوّل المشروع من فكرة تمويل تقليدية إلى منحة سلام يابانية خارج القواعد المعتادة، باعتباره جسرًا يربط بين قارتي أفريقيا وآسيا، مؤكدة أن هذه التفاصيل موثقة داخل الكتاب بوصفها جزءًا من كواليس صناعة القرار.
وتناولت تلاوي أيضًا تجربتها كوزيرة للشؤون الاجتماعية، خاصة في ملفات التأمينات والمعاشات، مشيرة إلى معاركها للحفاظ على أموال المعاشات وتوظيفها بما يخدم الاقتصاد الوطني، فضلًا عن شهادتها على فترات سياسية مفصلية، من بينها فترة حكم الرئيس محمد مرسي، وما شهدته من محاولات لتهميش دور المرأة وإقصائها من مواقع العمل العام.
وأكدت أن الكتاب لا يقتصر على السرد الشخصي، بل يقدم مادة تحليلية وشهادات مهمة للباحثين وصنّاع القرار، تجمع بين الدبلوماسية والعمل الوزاري والرؤية الاجتماعية.

التاريخ من زاوية المهمشين
وانتقل الحوار إلى السفير ناجي غابة، مدير إدارة التوثيق والتأريخ، الذي سلط الضوء على كتابه المتخصص في التاريخ، مستعرضًا بحثه حول العبيد في مصر والعالم، موضحًا أن اهتمامه انصب على الفئات المهمشة في التاريخ، التي ساهمت في صناعة الحضارات والإنجازات الكبرى، لكنها غالبًا ما غابت عن السرد التاريخي التقليدي.
وأشار إلى تركيزه على القرن التاسع عشر بوصفه فترة حاسمة لفهم ظاهرة الرق في مصر، وما صاحبها من تحولات سياسية وقانونية، مستعرضًا تقسيمات العبيد من المماليك في القصور إلى السودانيين والخصيان، والصعوبات الإنسانية القاسية التي مروا بها، وصولًا إلى الإجراءات القانونية والتشريعات التي أدت إلى إنهاء الرق في مصر، مؤكدًا أهمية دراسة هذه الظواهر لفهم مسارات التنمية الاجتماعية والسياسية.

القدس واليمن.. الشهادة على الحدث
بدوره، استعرض السفير أشرف عقل حصيلة إصداراته خلال عام 2025، موضحًا أن كتاباته تمزج بين البعد الأكاديمي والتجربة الميدانية بعيدًا عن التمجيد الذاتي. وأشار إلى كتابه «القدس.. المدينة والقضية»، الذي حظي باهتمام واسع ونفدت طبعاته، متناولًا فيه القدس من زوايا تاريخية ودينية وسياسية، إلى جانب توثيق الانتهاكات الإسرائيلية وقرارات الأمم المتحدة المتعلقة بالمدينة المقدسة.
كما تحدث عن كتاب «من وحي العيش في اليمن»، الذي وثّق فيه سنوات عمله في اليمن، مستعرضًا التاريخ اليمني القديم والحديث، والعلاقات المصرية–اليمنية، وأهمية اليمن للأمن القومي المصري، فضلًا عن مقالات إنسانية وثقافية حول الجغرافيا والمجتمع اليمني، مدعومة بوثائق واتفاقيات رسمية.
وأكد عقل أن كتاباته تميل إلى الطابع العلمي التحليلي القائم على المشاهدة المباشرة والشهادة على الأحداث، مشيرًا إلى أن المذكرات الشخصية قد تأتي في مرحلة لاحقة.

الرواية كمساحة للتحرر من القيد الرسمي
وفي مداخلته، أوضح السفير محمد مصطفى عرفي أن اختياره للرواية من خلال عمله «المجاميع» جاء بدافع التحرر من قيود الكتابة الرسمية، ونقل تجاربه في الدول التي خدم بها إلى القارئ في قالب درامي إنساني، مؤكدًا أن فلسفة الرواية تركز على الشخصيات الهامشية بوصفها مرآة حقيقية للمجتمع وتحولاته.

بين التخصص والإبداع.. تجربة عبير بسيوني
وقدمت السفيرة الدكتورة عبير بسيوني نموذجًا للتنوع في الإنتاج الفكري، بين الكتابة المهنية المتخصصة والكتابة الإبداعية، مؤكدة أن هذا التنوع يمثل تحديًا حقيقيًا، لكنه يعكس في الوقت ذاته ثراء التجربة الدبلوماسية وقدرتها على الإسهام في بناء الوعي الجمعي.
وقالت بسيوني: «الكتاب هو أعظم اختراع للبشرية، لأنه يتيح نقل التجارب والمشاعر والتواصل مع الآخرين»، مشيرة إلى شغفها بالبحث والكتابة حول كل ما يهم مصر والعالم، بدءًا من التراث والفرص التنموية، وصولًا إلى الرواية المستلهمة من التجربة الإنسانية والبحث عن المعنى.
واستعرضت أبرز أعمالها، من كتاب «علامة مصر» الذي تناول العلامات الوطنية والفرص التنافسية الكامنة في التراث والطبيعة، إلى كتاب «سفير الخيرات» المعني بالرحلة الإنسانية الداخلية، وصولًا إلى أعمالها الروائية التي تناولت علاقة الملهم بالمريد في إطار من الحب والعطاء.

صوت الجيل الجديد
ولم تغفل الندوة مشاركة الجيل الجديد من الدبلوماسيين، حيث عرضت السكرتير الثالث الدكتورة هاجر عبد اللطيف كتابها «المسؤولية الدولية الجنائية للجماعات المسلحة من غير الدول»، المستند إلى رسالة دكتوراه، مؤكدة أن القانون الدولي الجنائي بحاجة إلى أطر موسعة للتعامل مع الجرائم الجماعية التي ترتكبها الجماعات المسلحة، وليس فقط مع الأفراد.
وأوضحت أن الهدف يتمثل في وضع إطار قانوني شامل لمساءلة هذه الجماعات، وفهم آليات عملها، وإلزامها بقواعد القانون الدولي الإنساني، بما يحقق العدالة ويمنع الإفلات من العقاب.
الكتابة جسر بين الأجيال
ولإثراء الحوار، عُرضت رسالة مسجلة للسفير السيد أمين شلبي، أشاد فيها بجهود السفراء في الجمع بين الخبرة الثقافية والدبلوماسية، مؤكدًا أن الأدب والثقافة يمثلان جزءًا لا يتجزأ من ممارسة الدبلوماسية والتميز فيها.
وفي ختام الندوة، شدد السفير عمرو الجويلي على أهمية التواصل بين الأجيال المختلفة من الدبلوماسيين، من الرائدة ميرفت تلاوي إلى الجيل الجديد ممثلًا في هاجر عبد اللطيف، معتبرًا أن هذا التلاقي يمثل أحد مصادر القوة والثراء لوزارة الخارجية المصرية.
وشهدت الندوة تلاقيًا فريدًا بين التاريخ، والقانون الدولي، والدبلوماسية، والكتابة الإبداعية، لتؤكد رسالة واضحة مفادها أن الكتابة ليست مجرد توثيق للخبرة، بل جسر إنساني يربط بين الأجيال ويمنح التجربة الدبلوماسية المصرية بعدًا ثقافيًا مستدامًا.

