محمد هاشم.. حين يتحول الناشر إلى ضمير ثقافي: ميريت وشرقيات في قلب ذاكرة النشر المصري

في لحظة وفاء نادرة لتجربة ثقافية صنعت أثرًا يتجاوز حدود الكتب، احتفى معرض القاهرة الدولي للكتاب بتجربة الناشر الراحل محمد هاشم، مؤسس دار «ميريت» للنشر، ضمن ندوة خاصة نظمها الصالون الثقافي بالمعرض، خُصصت لتكريم تجربتي دار «ميريت» ودار «شرقيات» بوصفهما من أبرز وأهم تجارب النشر الخاص في مصر والعالم العربي. احتفاء لم يكن بروتوكوليًا أو عابرًا، بل جاء محمّلًا بالشهادات الإنسانية والفكرية، التي أعادت رسم صورة هاشم ليس كناشر فقط، بل كمثقف عضوي، وصانع مساحات حرة، ومهندس خفي لتحولات ثقافية وسياسية واجتماعية امتدت لعقود.

وخلال الندوة، توجّهت أسرة الراحل محمد هاشم بالشكر إلى إدارة المعرض على هذا التكريم، مؤكدة أن الاحتفاء بتجربة «ميريت» هو في جوهره احتفاء بروح مشروع ثقافي كامل، لا بشخص فقط. مشروع آمن بالحرية، وبحق الاختلاف، وبأن النشر ليس تجارة كتب، بل صناعة وعي وتشكيل أجيال.
شارك في الندوة كل من الدكتور نبيل عبد الفتاح، والفنان الكبير أحمد اللباد، والكاتبة نجلاء كمال زوجة الراحل محمد هاشم، وأدارها الشاعر زين العابدين فؤاد، في جلسة بدت أقرب إلى شهادة جماعية على تجربة إنسانية وثقافية استثنائية.
الدكتور نبيل عبد الفتاح قدّم قراءة فكرية عميقة لتجربة محمد هاشم، واضعًا إياها في سياق عالمي أوسع، حين أشار إلى أن الأدب العالمي زاخر بسرديات التمرد والخروج عن النص، معتبرًا أن هاشم كان نموذجًا حيًا لهذا المعنى، إذ «تحرر من الخوف» مبكرًا، ولم يتعامل مع النشر باعتباره نشاطًا محايدًا، بل فعلًا ثقافيًا مقاومًا، قائمًا على كسر السائد، وإعادة تعريف الممكن.

وتوقّف عبد الفتاح أمام فكرة تكوين الكوادر بوصفها إحدى أهم سمات شخصية هاشم، مشيرًا إلى أن مشروعه لم يكن يقتصر على إصدار الكتب، بل كان يهتم ببناء الإنسان نفسه، وصناعة أجيال قادرة على التفكير والتمييز والاختيار. وقد تطور هذا الوعي لديه داخل سياق سياسي واجتماعي معقّد، في ظل انتمائه إلى جماعات محظور عنها النشاط الحزبي والسياسي، ما جعله ينقل فكرة الفعل العام من السياسة المباشرة إلى الثقافة.
وكشف عبد الفتاح عن جانب إنساني غير معروف على نطاق واسع، حين تحدث عن رواية غير منشورة لمحمد هاشم، كان يحاول فيها «تغيير نفسه من الداخل»، في تجربة ذاتية تعكس صراع الإنسان مع أفكاره وهويته وتحولاته، معتبرًا أن هذه الرواية تمثل وثيقة داخلية لشخصية مثقف لم يكن ساكنًا أو مكتفيًا بذاته.
كما ربط عبد الفتاح بين تجربة هاشم في الحبس وبين مشروعه في النشر، معتبرًا أن السجن لم يكن كسرًا له، بل تحول إلى وعي جديد بالحرية، انعكس لاحقًا في مشروعه الثقافي، كما انعكس في تجاربه السابقة مثل «دار المحروسة».
وتوقّف المتحدثون عند اتساع مشروع «ميريت» ليشمل كل الأجيال، دون تصنيف إقصائي، حيث نشرت الدار لأسماء شابة وأخرى راسخة، وفتحت المجال أمام أصوات جديدة دون خوف أو وصاية. كما كانت دارًا منفتحة على الترجمة النوعية، حيث ترجم له كبار المترجمين، وسبق دار «ميريت» إلى تقديم أعمال لكتاب عالميين قبل حصولهم على شهرتهم الكبرى، مثل ترجمة أعمال آني إرنو قبل فوزها بجائزة نوبل، في دلالة على حس استشرافي نادر في عالم النشر.
واستُحضرت علاقات محمد هاشم بأسماء ثقافية كبيرة مثل خيري شلبي، وسيد خميس، وإبراهيم أصلان، ليس كعلاقات مهنية فقط، بل كشبكة إنسانية وثقافية صنعت ما يشبه العائلة الفكرية الممتدة.
ومن أكثر الشهادات تأثيرًا، ما قيل عن تحول دار «ميريت» في المساء إلى فضاء مفتوح للنقاش والندوات، حيث كان هاشم يغلق باب الدار ليلًا لتتحول إلى ساحة حوار ثقافي حر، تذوب فيها الحواجز الاجتماعية والرمزية، وتُسقط الأقنعة، ليظهر الجميع كما هم، بلا ادعاء ولا تصنع.
لم تكن «ميريت» مجرد دار نشر، بل كانت – كما وُصفت في الندوة – مرآة للحياة الثقافية المصرية، ومساحة لعبت أدوارًا سياسية وثقافية في آن واحد، حيث ساهمت في تشكيل حركات احتجاجية مثل حركة كفاية، بالتوازي مع دورها في تشكيل الذائقة الأدبية والفكرية.
وعلى الرغم من تنقل مقر الدار بين أكثر من مكان، إلا أنها – كما قيل – «كانت تصطحب معها الثقافة أينما ذهبت»، في إشارة إلى أن المكان لم يكن هو الجوهر، بل الروح التي أسسها محمد هاشم، روح الحرية والانفتاح والتنوع.
وفي شهادة مؤثرة، قال الحاضرون إنهم يفتقدون وجوده الفيزيقي، لكنهم لم يفتقدوا روحه، لأنها ما زالت حاضرة في الكتب، وفي الأجيال التي صنعها، وفي المساحات التي فتحها.
أما الناشر شريف بكر، فاستعاد ذاكرة شخصية مع محمد هاشم، مؤكدًا أن «هاشم بالنسبة لي ذكرى كبيرة»، مشيرًا إلى موقف إنساني حين افتتح دار «ميريت» وأهدى إصداراتها لوالده، معتبرًا أن دار ميريت كانت «مكانهم المفضل في وسط البلد»، ليس فقط كمكان، بل كحالة ثقافية كاملة.
هكذا بدا الاحتفاء بمحمد هاشم في معرض الكتاب؛ ليس تكريمًا لراحل، بل استعادة لمعنى الناشر المثقف، الذي لا يكتفي بطباعة الكتب، بل يصنع فضاءات، ويبني وعيًا، ويترك أثرًا يتجاوز حياته، ليبقى مشروعه مفتوحًا في ذاكرة الثقافة المصرية… كفكرة لا تموت.

