حين يصبح القانون سيرة عقل.. «أعلام التفكير القانوني» يعيد رسم خريطة العدالة عبر العصور

صدر حديثًا عن الدار المصرية اللبنانية كتاب «أعلام التفكير القانوني»، وهو عمل فكري وثقافي يتجاوز فكرة التأريخ التقليدي للقانون، ليقدّم قراءة عميقة في العقول التي صاغت مفاهيم العدالة، وأسهمت في تشكيل الوعي القانوني عبر عصور وحضارات متباعدة. فالكتاب لا يتعامل مع القانون بوصفه نصوصًا جامدة، بل بوصفه نتاج تفكير إنساني، وتجربة حياتية، وصراع دائم مع أسئلة الحق والعدل والسلطة.
يتناول الكتاب سِيَر وأفكار أربعة عشر رمزًا من رموز الفكر القانوني في الشرق والغرب، من بينهم ابن رشد، وعبد الحميد بدوي، وابن خلدون، إلى جانب مونتسكيو، ولورد دينينج، وديجي، وغيرهم من الأسماء التي تركت أثرًا بالغًا في تطور النظرية القانونية، والقضاء، والتشريع. ويقدّم هذه الشخصيات بلغة أدبية رصينة، وبعرض هادئ ومحايد، يتتبّع مساراتهم الفكرية دون أحكام مسبقة أو تصنيفات أيديولوجية.
لا يكتفي الكتاب بسرد الوقائع أو تعداد الإنجازات، بل ينفذ إلى ما هو أعمق: النشأة الأولى، وجذور التربية، وتأثير البيئة الاجتماعية والسياسية، وظروف التعليم، وملامح العصر الذي عاش فيه كل علم من هؤلاء الأعلام. ثم ينتقل إلى جوهر المشروع: منهج التفكير؛ كيف كان هؤلاء يرون القانون؟ وكيف فهموا دور القضاء؟ وما تصوّرهم للعدالة وحدودها؟ وكيف تشكّل موقفهم من التشريع وسلطته؟ والأهم: كيف انعكست هذه الرؤى على ممارساتهم العملية، ومعاركهم الفكرية والمهنية؟
يسعى «أعلام التفكير القانوني» إلى التقاط خيوط النبوغ، ومحاولة فهم سرّ التفرّد: أهو نتاج ثقافة واسعة؟ أم تجربة تاريخية استثنائية؟ أم تعليم رفيع وخبرة طويلة؟ أم اختيار واعٍ لمسار مختلف؟ لا يدّعي الكتاب امتلاك الإجابات النهائية، لكنه يفتح الباب للتأمل، ويمنح القارئ أدوات التفكير والمقارنة.
وقد رُوعي في اختيار الشخصيات تنوّع العصور، وتباعد الحضارات، واختلاف البيئات والأنظمة القانونية، بما يتيح للقارئ أن يرى المشهد القانوني في امتداده الزمني والإنساني الواسع، وأن يستخلص بنفسه ما قد يجمع بين هذه العقول المتناثرة من قواسم مشتركة.
شارك في تأليف الكتاب نخبة من القضاة وفقهاء القانون، ممن جمعوا بين الخبرة العملية الطويلة، والتمكّن الثقافي واللغوي، وامتلكوا تجربة راسخة في العمل القضائي والتشريعي، إلى جانب حضور أدبي وفكري تُوّج بعدد من الجوائز المرموقة. ليأتي هذا الكتاب شهادة على أن القانون، في جوهره، فعل تفكير قبل أن يكون سلطة نصّ.

