سياسي فلسطيني: ما يطرح دوليا لإدارة غزة بعيد تماما عن أصول وسياق القضية

قال الكاتب والسياسي الفلسطيني سميح خلف، إن ما يُطرح دوليًا بشأن إدارة قطاع غزة، يبتعد جذريًا عن أصول القضية الفلسطينية وسياقها التاريخي والسياسي، ولا سيما في أعقاب حرب إبادة جماعية وتطهير عرقي شهدها القطاع، وقف المجتمع الدولي خلالها عاجزًا عن وقف الجرائم أو محاسبة مرتكبيها.
وفي هذا السياق، أشار «خلف»، في تصريحات خاصة لـ«النهار»، إلى الدور الذي لعبه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في فرض وقف إطلاق النار، وطرح ما بات يُعرف بخطته العشرين، بما تحمله من تفاصيل تتعلق بتشكيل مجلس للسلام ذي طابع استشاري وإداري لإدارة غزة، وهو طرح لا يبتعد كثيرًا، برأيه، عن تصريحاته السابقة منذ بداية الاجتياح الإسرائيلي، حين وصف غزة بأنها «جميلة» ويمكن أن تتحول إلى «ريفييرا»، بل وأبدى رغبته الصريحة في امتلاكها، في تعبير يعكس ذهنية رجل الأعمال أكثر مما يعكس مقاربة سياسية عادلة لقضية تحرر وطني.
ورأى خلف أن الإدارة الأمريكية نجحت في تمرير تفاصيل الخطة الإدارية والتنفيذية الخاصة بغزة عبر مجلس الأمن، لتكتسب غطاءً دوليًا شكليًا، رغم أن ترامب كان قد تعهد سابقًا، خلال اجتماع شرم الشيخ، بتشكيل مجلس رئاسي يضم قادة دول. غير أن الوقائع، بحسب خلف، كشفت أن هذا المجلس يترأسه ترامب شخصيًا، ويضم في عضويته شخصيات من البيت الأبيض، وصهره، إضافة إلى قائد في القيادة المركزية الأمريكية، دون أي تمثيل حقيقي أو وزن سياسي معتبر من المجتمع الدولي.
وشدد السياسي الفلسطيني على أن هذا التشكيل يعد دليلًا واضحًا على أن الهدف لا يقتصر على إدارة أزمة غزة أو البحث عن حل يحقق الحد الأدنى من الحقوق الفلسطينية، بل يتجاوز ذلك إلى استخدام مجلس الأمن كأداة تشريعية وواجهة لاحتلال قطاع غزة بصورة جديدة، مع إزاحة الدور الإسرائيلي المباشر واستبداله بهيئة تنفيذية تمثل الصهيونية الدولية، إذ إن غالبية أعضائها، وفق توصيفه، إما يهود أو صهاينة في السلوك والممارسة.
كما أكد خلف أن ما يُسمّى بإدارة قطاع غزة لا يمكن وصفه بإدارة دولية ولا تنطبق عليه معايير السيادة الدولية، بل هو مشروع أمريكي خالص، يحمل في جوهره أطماع رجال الأعمال، ويستهدف استثمار مليارات الدولارات في مشاريع إعادة الإعمار، واستغلال ثروات غزة من الغاز، وشواطئها لأغراض سياحية، إلى جانب إحداث تغييرات عميقة في البنية البيئية والديموغرافية للقطاع. ويتساءل في هذا الإطار عمّا إذا كان الإعمار المقترح يشمل كامل غزة أم سيقتصر على ما قبل وما بعد ما يُعرف بـ«الخط الأصفر»، خاصة في ظل تصريحات بنيامين نتنياهو بشأن بدء المرحلة الثانية من خطة ترامب.
ولفت إلى الغموض الذي يكتنف موقف الدول المعنية بتشكيل قوة السلام، ووظيفتها الحقيقية، متسائلًا عمّا إذا كانت قوة حفظ سلام أم أداة صدام جديدة مع الفلسطينيين، لا سيما بعد إسناد هذه المهمة إلى جنرال من القيادة المركزية الأمريكية، وفي ظل ضعف تجاوب الدول مع آليات تشكيل الهيئات واللجان المقترحة، باستثناء رئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير، الذي يحمّله خلف إرثًا سياسيًا مثقلًا بتجارب سلبية في العراق وليبيا وسوريا، وحتى في مصر خلال عامي 2011 و2012.
وانتهى خلف إلى تلخيص موقفه في عدد من النقاط الأساسية، أبرزها أن هذه الإدارة مفروضة قسرًا، ولا تمثل خيارًا فلسطينيًا نابعًا من إرادة المجتمع الفلسطيني، رغم تسميتها «لجنة انتقالية»، في ظل غياب أي رؤية واضحة للحل السياسي الشامل أو لوحدة الجغرافيا الفلسطينية بين الضفة الغربية وقطاع غزة. كما يؤكد أن خطة ترامب جرى إعدادها بتنسيق مباشر بين المبعوث الأمريكي ويتكوف، ورئيسي الموساد والشاباك، ومستشار الأمن القومي لنتنياهو. ويضيف أن الخطة تركز ظاهريًا على الإعمار والتنمية وإنعاش الاقتصاد بتمويل الدول المانحة، وتوفير الخدمات الأساسية، لكنها في جوهرها تسعى إلى إعادة تشكيل المجتمع الغزي، وتحويل سكانه – أو من يتبقى منهم في حال فُتحت أبواب الهجرة – من حالة الصراع والمواجهة المرتبطة بجذور القضية الفلسطينية، إلى مجتمع منزوع الذاكرة والهوية، تحت شعارات توفير لقمة العيش والوظيفة، ونبذ ما يُوصف بالإرهاب والعنف.
وأكد خلف في ختام قراءته أن هذه الخطة «خبيثة» في جوهرها، وقد جرى تمريرها عبر مجلس الأمن، بما يهدد بتقويض أسس القضية الفلسطينية باعتبارها قضية شعب وأرض وحقوق تاريخية. ويرى أن أدوات الضغط، من تجويع وحصار، شكلت عوامل خانقة لقوى المقاومة، في ظل واقع غير مسبوق من الدمار والمعاناة لم يشهده شعب في العصر الحديث، ما جعل موافقة الفصائل الفلسطينية تمريرًا قسريًا لا يعكس تعدد الخيارات، بل يعبّر عن انسداد الأفق تحت وطأة الكارثة الإنسانية والسياسية التي يعيشها قطاع غزة.

