النهار
جريدة النهار المصرية

مقالات

قراءة تحليلة لنص رسالة الرئيس ترامب إلى الرئيس السيسي. اد. عادل القليعي يكتب.

الدكتور عادل القليعي استاذ الفلسفة بجامعة حلوان والمحلل السياسي
-

بداية أذكر بقوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم) سورة النساء من الآية "٧١"
ثم نورد عبارة عمر بن الخطاب رضي الله عنه
(رمينا أرطبون الروم بأرطبون العرب).
ثم نورد نص الرسالة المرسلة من واشنطن إلى القاهرة.
ثم نقوم بدراسة وتحليل ما بين سطورها للوقوف على فحواها وللتعرف على مفادها.

وإن كنت على ثقة تامة ويقين لا يخالطه أدنى شك في مهارة قيادتنا السياسية برئاسة الرئيس السيسي وفريق عمله وجهاز مخابراته في كيفية التعامل مع ما ورد في هذه الوثيقة.
لكن هي اجتهادات رجل محب لوطنه أحسبه قارئ جيد ولا نزكيه على الله.

___
نص الرسالة:

البيت الأبيض
واشنطن
16 يناير 2026

صاحب الفخامة
عبد الفتاح السيسي
رئيس جمهورية مصر العربية
القاهرة

عزيزي الرئيس السيسي،

أشكركم على قيادتكم في التوسط بنجاح للتوصل إلى وقفٍ لإطلاق النار بين إسرائيل وحماس. وأُقرّ وأُثمن دوركم الثابت في إدارة العديد من التحديات الأمنية والإنسانية التي واجهت هذه المنطقة، وشعبكم أيضًا، منذ 7 أكتوبر 2023. لقد أثقلت هذه الحرب كاهل المصريين، وليس فقط جيرانهم في إسرائيل وغزة.

وانطلاقًا من روح صداقتنا الشخصية والتزام الولايات المتحدة بالسلام وبخير ورفاه شعب مصر، فأنا مستعد لاستئناف الوساطة الأميركية بين مصر وإثيوبيا من أجل حلّ مسألة “تقاسم مياه النيل” بمسؤولية، مرةً وإلى الأبد. إنني أنا وفريقي ندرك الأهمية العميقة لنهر النيل بالنسبة إلى مصر وشعبها، وأريد مساعدتكم على تحقيق نتيجة تضمن احتياجات المياه لمصر وجمهورية السودان وإثيوبيا، لسنوات طويلة مقبلة. وتؤكد الولايات المتحدة أنه لا ينبغي لأي دولة في هذه المنطقة أن تسيطر من جانب واحد على الموارد الثمينة لنهر النيل، بما يضر بجيرانها في هذه العملية.

وأعتقد أنه مع الخبرة الفنية المناسبة، ومفاوضات عادلة وشفافة، ودور قوي للولايات المتحدة في المراقبة والتنسيق بين الأطراف، يمكننا التوصل إلى اتفاق دائم لصالح جميع دول حوض النيل. وسيضمن النهج الناجح إطلاقات/تصريفات مائية منتظمة ويمكن التنبؤ بها خلال فترات الجفاف والسنوات الجافة الممتدة لصالح مصر والسودان، مع إتاحة المجال لإثيوبيا لتوليد كميات كبيرة جدًا من الكهرباء، ربما يمكن منح جزءٍ منها، أو بيعِه، لمصر و/أو السودان.

إلى التحليل.

أولا:
بداية من السطر الأول من هذه الرسالة ، فخامة الرئيس المصري ، عزيزي الرئيس السيسي.
نقول لكل مراوغ لن ينطلي علينا مثل هذه الثناءات المتصنعة ، فالتاريخ أثبت منذ القديم ، أن البلاد والحكومات لا تدار بالمدح والثناء ، فكم من مادح مدح وبعد مدحه قدح ، وكم من ممدوح انطلت عليه هذه الحيل المكيرة وانقاد انقيادا أعمى فأهلك الحرث والنسل وأخذتهم العزة بالاثم وأعتقد أن رجلنا المخضرم لن تنطلي عليه مثل هذه الحيل.
فلا تخف من الصريح ( الدوغري)، وإنما يجب الحذر كل الحذر ممن يبدون من طرف اللسان حلاوة ويروغون منا كما تروغ الثعالب.
إلا أن تكون هذه صيغة بروتكولاتهم في تعاملاتهم مع الرؤوساء ، فلا مندوحة من ذلك.

ثانيا: الرئيس الأمريكي يقدم شكره للرئيس السيسي على قيادته الحكيمة لجولات المفاوضات بين وفود حماس والكيان الصهيوني إلى أن تم توقيع بنود الاتفاق في قمة السلام في شرم الشيخ.
هذا أمر طيب ونثمن هذا الثناء وإن كان هذا الثناء وجه لمصر وللرئيس المصري وقت انعقاد القمة وأول من أثنى الرئيس الأمريكي
لكن السؤال المطروح للمناقشة ، وأول من سيطرح عليه السؤال الرئيس الأمريكي.
متى توقفت مصر عن دعم القضية الفلسطينية ، فمصر الداعم الرئيس للقضية منذ أن وطأت أقدام الصهاينة أرض فلسطين ، ولولا الجهود المصرية وخصوصا منذ الثالث والعشرين من شهر أكتوبر من العام ألفين وثلاث وعشرون المعروف إعلاميا (حرب طوفان الأقصى)،
ولولا تصديها لمحاولات الرئيس الأمريكي وثبات الرئيس المصري رافضا التهجير إلى سيناء الحبيبة ، ولولا تصديها لكل المحاولات البائسة من ملاعين حاولوا جل طاقاتهم التشكيك فى الدور المصري.
ولولا أن مصر لم ترضخ لتهديدات واشنطن بقطع المعونات العسكرية لمصر وغيرها من الأساليب الاستفزازية.
مما أجبر الكيان والرئيس الأمريكي إلى قبول الإتفاق على بنود وقف إطلاق النار ، لكانت انتهت القضية الفلسطينية إلى الأبد ولكان تحقق حلمهم المزعوم المكنى (بشرق أوسط جديد)

ثالثا: الخطاب يحمل ما يحمله من مكر ودهاء لن ينطلي إلا على السذج من أصحاب الأصوات الحنجورية (كذابين الزفة)، الأبواق الإعلامية التي يغلب عليها أيديولوجية النفاق، فسنجدهم سيصيحون بأعلى أصواتهم قائلين ، شوفوا مصر عملت إيه ، انظروا إلى قادتنا ركعوا الأمريكان ، السياسة ليست هكذا.
انظروا بعين الاعتبار إلى عبارة ، (الحرب التي أثقلت كواهل المصريين)
السؤال لترامب ، هل اشتكى لك الشعب المصري ، أم تريد اللعب على دغدغة مشاعر الناس ،حتى إذا ما حدث أي شئ آخر ، ينتفض الناس ضد بلدهم ويملاون الشوارع ، أقول لك أيها الرئيس الأمريكي ، الشعب المصري قد وعي الدرس جيدا وسيقف مع قيادته مهما كلفه ذلك ، وسيدعم القضية الفلسطينية حتى يتحقق وعد الله تعالى بعودة الحق إلى أهله ويتحقق ما تصبو إليه القيادة المصرية ، إقامة دولة فلسطينية عاصمتها القدس الشرقية.

رابعا: نأتي إلى عبارة (وانطلاقا من صداقتنا الشخصية وحرصنا على تحقيق السلام فى المنطقة.)
نقول الصداقة الشخصية أمر طيب وجميل عندما نتحدث عن أمور شخصية بين إثنين ، تقوم على المودة والرحمة وخلافة ، أما مصالح الدول والشعوب فلا تدار بالصداقات الشخصية ، فلولا ما وجدتموه من قوة مصر وثبات موقفها ما تحدثتم بهذا الأسلوب المداهن.
نعم جميعنا يسعى إلى تحقيق السلام العادل ، لكن سلام غير مشروط ، سلام يضمن تحقيق العدالة وأولها الإعتراف بدولة فلسطين.
ترامب ، ألست أنت أول من اعترف بالقدس عاصمة إسرائيل ، ألست أنت وحكومتك من استخدم الفيتو ضد أي قرار يخص فلسطين.
ألست أنت وادارتك الذين امددتم تل أبيب بهذه الترسانة العسكرية العملاقة لقتل العزل ، ألست أنت من يعيث فى الأرض فسادا ملوحا باختطاف من يقف ضدكم ، رئيس فنزويلا ليس منا ببعيد ويقبع في سجونكم ويخضع للمحاكمة في محاكمكم.
وبعد، أطرح عليك سؤالا ، ما مفهوم السلام من وجهة نظركم.؟!

خامسا: نأتي إلى عبارة ،( أنا أدرك وفريقي أهمية نهر النيل بالنسبة لمصر ولدول حوض النيل.)
أقول لك ، ونحن ندرك تمام الإدراك أهمية نهر النيل لمصر ، وقيادتنا تدرك ذلك جيدا ، وقالها الرئيس أكثر من مرة ، نهر النيل خط أحمر ، ومن يعتدي على حقنا ، فلن نقف مكتوفي الأيدي أمام التصرفات أحادية الجانب.
لكن السؤال المهم ، من الذي أعطى الضوء الأخضر لأثيوبيا لبناء السد ، أنتم ويدكم فى المنطقة تل أبيب ، من الذي موله ، من الذي سمح بملأه بهذه الطريقة العشوائية التي جراءها غرقت بعض مدن السودان ، ولولا احتياطاتنا لحدث ما لا يحمد عقباه.
هل ظهرت أهمية نهر النيل أمامكم فجأة ، وأين أنتم وادارتكم من مفاوضات تمت على أرضكم وتنصلتم منها ، أين أنتم من تدويل مصر للقصية في الأمم المتحدة ومجلس الأمن ومنظمات حقوق الإنسان ، مواقفكم مترهلة مهترأة.
فعلتم فعلتكم وباركتم وأيدتم ظننتم أنكم ستتخذون بناء السد وملأه ورقة ضغط على مصر لتنفذوا من خلالها مخططاتكم وتضمنون ولاء مصر ، وألا تتحدث عن القضية الفلسطينية أو ترضخ لعملية التهجير المزعومة.
لكن عندما كشر الأسد عن أنيابه رحتم تبحثون عن حيل أخرى لعلها تفلح هذه المرة.
لكن نذكر قوله تعالى(ولا يفلح الساحر حيث أتى)
فمصر يقظة على الدوام ، ومخابراتها وجيشها على أتم الجهوزية لأي خطر أو لردع أي متربص بنا وبأمننا القومي.

سادسا: عبارة (الدعم الفني والخبرات الفنية والمفاوضات العادلة الشاملة)
نقول وهل عدمت مصر بمؤسساتها ومراكزها البحثية وجامعاتها ، وعلاقاتها مع الدول الأخرى التي تعتمد على أحدث التقنيات في معرفة مواسم الجفاف ومواسم الفيضانات ، وغيرها.
الذي أنشأ السد العالي والسدود والقناطر والبحيرات ومفيض توشكى قادر على إدارة الأزمة.
لكن إن كانت حقا لديكم هذه النوايا الطيبة فلم تأخرتم إلى الآن.
أم راعكم ما حققته مصر من تواجد دولي أعاد إلى مصر ثقلها الدولي ، مصالح مشتركة فى الشرق والغرب مع كل دول العالم.
فأردتم كسب ولاء مصر لكم في كل ما هو قادم وما ستقدمون عليه.

إن هذا الخطاب المشفوع بتوقيع رئيس الولايات المتحدة يحمل ما يحمله من الموضوعات الشائكة التي ينبغي التعامل معها بكل حذر وأخذ الحيطة والتدابير اللازمة.
ونحن على يقين وثقة في قيادتنا الرشيدة في تعاملها مع هذه الوثيقة المهمة الواردة إلينا من البيت الأبيض.

ملحوظة مهمة ، تناول الكاتب تحليل ما ورد فى الخطاب فيما يخص مصر فقط.