بين الطموح والتاريخ: حملة إبراهيم باشا على الشام.. قراءة جديدة في مفترق مصير الأمم

في إطار مشاركته الفكرية البارزة في الدورة السابعة والخمسين لمعرض القاهرة الدولي للكتاب، المقرر انعقادها خلال الفترة من 21 يناير إلى 3 فبراير 2026، يقدّم المركز القومي للترجمة برئاسة الأستاذة الدكتورة رشا صالح أحد أبرز إصداراته التاريخية، كتاب «حملة إبراهيم باشا على الشام»، بترجمة منى سعفان وفاطمة خليل، الذي يفتح نافذة واسعة على لحظة فارقة من تاريخ المشرق العربي، حين كانت مصر على أعتاب رسم خريطة جديدة للمنطقة.
لا يقدّم الكتاب الحملة العسكرية باعتبارها حدثًا ماضويًا منتهيًا، بل يكشفها بوصفها مشروعًا تاريخيًا متكاملًا، كانت نتائجه من الممكن أن تصعد بمصر إلى مرتبة إمبراطورية صاعدة، ربما تهدد قلب الدولة العثمانية نفسها. ويبرز الكتاب الدور الحاسم للتدخل الغربي، الذي حال دون أن يتحقق هذا الطموح، في سياق ما عرف بـ«وراثة تركة الرجل المريض»، حيث كان الشرق الأوسط والعالم على وشك أن يشكّلا وفق قواعد مختلفة تمامًا.
ويُعد الكتاب ترجمة رسالة دكتوراه أنجزت في جامعة السوربون، اعتمد فيها المؤلف على شبكة واسعة من الوثائق الأصلية، شملت أرشيفات وزارات الخارجية والبحرية والحرب في فرنسا وإنجلترا والنمسا، إلى جانب أرشيف الدولة ودار الوثائق العمومية، مدعومة بمصادر روسية وبروسية وسويدية ويونانية وأمريكية، ليكشف عن الحملة ليس كمغامرة عسكرية فحسب، بل كلحظة اختبار كبرى لفكرة الدولة والقوة والطموح، ولتقييم هشاشة التاريخ ومرونته أمام قرارات فردية أو صدف كبرى.
ويأتي المؤلف، الأمير حسن طوسون، أحد أحفاد أسرة محمد علي، الذي أمضى سنواته في باريس متابعًا ومحللًا للتاريخ العسكري لإبراهيم باشا، ليقدّم دراسة دقيقة تجمع بين روح الباحث المنغمس في الوثيقة والتحليل، دون أي أثر للتصفيق على السلالة أو المجد العائلي.
من خلال هذا الإصدار، يقدّم المركز القومي للترجمة للقارئ مفتاحًا لفهم سؤال أكبر:
كيف تصنع اللحظات الفاصلة مصير الأمم؟ وما هو التاريخ الذي كان ممكنًا لكن لم يُكتب؟
إنه كتاب عن الماضي، نعم، لكنه في جوهره تأمل في قوة الاحتمالات، وفي اللحظات التي قد يغيّر فيها قرار واحد أو تدخل واحد مسار مستقبل كامل، ليذكّرنا بأن ما نراه قدرًا كان يومًا احتمالًا، وأن التاريخ ليس مجرد سرد، بل مساحة واسعة من الاحتمالات والتدخلات التي تشكّل حاضرنا ومصيرنا.

