النهار
جريدة النهار المصرية

ثقافة

من منطق الغلبة إلى فلسفة التضامن.. «العون المتبادل» يعيد تعريف الارتقاء الإنساني في جناح القومي للترجمة

كتاب
محمد هلوان -

ضمن مشاركته اللافتة في الدورة السابعة والخمسين من معرض القاهرة الدولي للكتاب، المقرر انعقادها خلال الفترة من 21 يناير وحتى 3 فبراير 2026، يطرح المركز القومي للترجمة، برئاسة الأستاذة الدكتورة رشا صالح، أحد إصداراته الفكرية العميقة التي تتجاوز حدود العرض المعرفي إلى إعادة مساءلة المسلّمات الكبرى في تاريخ الفكر الإنساني. ويأتي كتاب «العون المتبادل.. أحد عوامل الارتقاء»، بترجمة أحمد زكي أحمد، في مقدمة هذه الإصدارات، بوصفه عملًا فكريًا يعيد صياغة السؤال الجوهري حول طبيعة البقاء: هل تأسس العالم على الصراع وحده، أم أن التعاون هو القوة الخفية التي أبقت الحياة واستمراريتها؟

العون المتبادل.. أحد عوامل الارتقاء

يمثّل هذا الكتاب العمل الأبرز للفيلسوف الروسي والمفكر الأناركي بيتر كروبوتكين (1842–1922)، الذي خاض من خلاله مواجهة فكرية مباشرة مع القراءة الاختزالية لنظرية التطور، ولا سيما مفهوم «الصراع من أجل البقاء» كما رُوّج له في بعض التفسيرات الشائعة للداروينية. لا يتوقف كروبوتكين عند حدود النقد أو المراجعة، بل يذهب إلى إعادة بناء الفكرة من جذورها، مؤكدًا أن العون المتبادل والتعاون ليسا استثناءين طارئين في مسار الطبيعة أو التاريخ، بل يشكلان القاعدة الأعمق والأكثر فاعلية في عمليات الارتقاء والبقاء، سواء على مستوى الكائنات الحية أو المجتمعات البشرية.

وعلى امتداد الكتاب، يقدّم كروبوتكين سردًا علميًا وتحليليًا ثريًا، مدعومًا بشواهد متعددة، يبدأ من رصد دقيق لأنماط السلوك التعاوني بين الحيوانات في بيئات مختلفة، حيث يثبت أن التعاون الجماعي كثيرًا ما كان وسيلة للحماية والاستمرار، لا تقل أهمية عن القوة الفردية أو الصراع المباشر. ثم ينتقل إلى تحليل أشكال التنظيم الاجتماعي التشاركي التي عرفتها المجتمعات البشرية عبر التاريخ، كاشفًا عن حضور التضامن والتكافل بوصفهما عنصرين أساسيين في تشكّل الحضارات واستمرارها.

ولا يكتفي الكتاب بالوقوف عند الأمثلة التاريخية أو البيولوجية، بل يمتد إلى الواقع المعيش، متناولًا نماذج عملية للتعاون الإنساني في الحياة اليومية، مثل المشاركة الجماعية في أدوات الحصاد، وإدارة المراعي بصورة مشاعية، ومبادرات العون الطوعي في بناء المنازل والمدارس داخل القرى، بوصفها تجليات حية لفكرة التضامن، ودليلًا على أن التعاون ليس فكرة نظرية مجردة، بل ممارسة اجتماعية متجذرة في التجربة الإنسانية.

ويطرح «العون المتبادل.. أحد عوامل الارتقاء» رؤية تتجاوز حدود العلم إلى الفلسفة والأخلاق، إذ يعيد الاعتبار لفكرة أن التاريخ لم يُصغ فقط بمنطق الغلبة والصراع، بل كُتب أيضًا بأيدي المتعاونين، وبقدرة البشر على المشاركة وبناء المعنى المشترك. فالارتقاء، وفق هذه الرؤية، لا يتحقق بالقوة وحدها، بل بالقدرة على العيش مع الآخر، والتكافل معه، وتحويل الجماعة إلى مصدر حماية ونمو.

وفي جناح المركز القومي للترجمة بمعرض القاهرة الدولي للكتاب، لا يُقدَّم هذا الكتاب بوصفه إصدارًا جديدًا فحسب، بل كدعوة مفتوحة لإعادة التفكير في الأسس التي يقوم عليها عالمنا المعاصر. دعوة للتساؤل عمّا إذا كان العون المتبادل هو ذلك القانون غير المرئي الذي أنقذ الإنسانية عبر تاريخها الطويل… ولا يزال قادرًا على إنقاذها حتى اليوم.