النهار
جريدة النهار المصرية

عربي ودولي

هل تراجعت أمريكا عن ضرب إيران؟.. تفاصيل مهمة

ترامب
كريم عزيز -

تراجع خيار الضربة الأمريكية ضد إيران فجأة، على حافة تصعيد عسكري واسع، لكن خلف هذا التحول تبرز اعتبارات عسكرية وأمنية وسياسية تتعلق بقدرات طهران، وحدود القوة الأمريكية المتاحة في الشرق الأوسط، وكان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يدرس توجيه ضربة لإيران خلال الأسبوع الجاري، فيما أعاد عمال البلديات في إسرائيل فتح الملاجئ العامة المغلقة منذ حرب يونيو الماضي، وسط حالة إرهاق واضحة، وفق صحيفة «ذا تليجراف» البريطانية.

كان ترامب مستعدًا تمامًا لتوجيه ضربة عسكرية لإيران، شملت الاستعدادات إخلاء قواعد وسفارات، من بينها منشآت بريطانية في المنطقة، لكن بحلول نهاية الأسبوع، تغيرت لهجة واشنطن بشكل ملحوظ، ما عكس تراجعًا مفاجئًا عن خيار الضربة العسكرية، والأسبوع الماضي، قال رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف، خلال جلسة مغلقة، إن أي عدوان سيجعل القواعد الأمريكية في المنطقة وإسرائيل ضمن نطاق إطلاق النار، مؤكدًا ربط الأمن الداخلي بالمواجهة الخارجية.

وبحسب «ذا تليجراف»، يرتبط جزء من أسباب التراجع بالوضع الداخلي في إيران، إذ بدا النظام أكثر تماسكًا مقارنة بفترة الاحتجاجات السابقة، بعد امتلاء شوارع طهران بمظاهرات مؤيدة للنظام، فيما أظهرت الأجهزة الأمنية قدرة واضحة على استعادة السيطرة الميدانية، وقال قائد من النخبة في الحرس الثوري الإيراني إن بلاده في ذروة استعدادها، مشيرًا إلى أن مخزون الصواريخ ازداد منذ حرب الأيام الاثني عشر في الصيف الماضي ضد إسرائيل.

وتُشكِّل الصواريخ قصيرة المدى مصدر القلق الأكبر، إذ يمكنها استهداف أصول أمريكية في المنطقة، وتشير أفضل التقديرات إلى امتلاك إيران نحو 1750 صاروخًا باليستيًا قصير المدى، من طراز فاتح 110 و313 وذالفقار والقيامة 1، مع صعوبة التحقق الدقيق من الأرقام، وبحسب «ذا تليجراف»، جعل هذا الواقع قادة الدول المجاورة لإيران يحثون ترامب على التراجع، خشية الانجرار إلى مواجهة واسعة قد تطول أراضيهم وبناهم التحتية.

أظهرت إسرائيل خلال الأسبوع الماضي ضبطًا ملحوظًا في خطابها العلني تجاه إيران مقارنة بمراحل سابقة، فيما تشير التقديرات إلى أن رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو حثَّ ترامب على عدم توجيه ضربة في هذا التوقيت، وكانت إيران استخدمت نحو نصف صواريخها الباليستية متوسطة المدى في حرب يونيو، فيما يُقدَّر مخزونها المتبقي بنحو 1500 صاروخ، مع شكوك حول عدد منصات الإطلاق.

وواجه القادة العسكريون الإسرائيليون تساؤلات متواصلة حول مخزون الصواريخ الاعتراضية المتاحة لدى إسرائيل لصد الهجمات المستقبلية من إيران، بينما تشير تقديرات إلى أن عدد الطائرات التي تم إطلاقها في يونيو يعادل طاقة إنتاجية لمدة عامين، ورغم استعداد إسرائيل لتحمل هجمات إضافية مقابل مكاسب أمنية ملموسة، فإن المخاوف بشأن مخزون الصواريخ الإيرانية لا تزال قائمة، إذ يرى بعض أفراد المؤسسة الأمنية الإسرائيلية أن التوقيت غير مناسب لجولة قتال جديدة واسعة.

بحسب مسؤول أمريكي، تنتشر حاليًا ثلاث مدمرات أمريكية وثلاث سفن قتالية ساحلية في المنطقة، ولا توجد حاليًا مجموعة حاملات طائرات أمريكية في الشرق الأوسط، وتنتشر الحاملات في اليابان وبحر الصين الجنوبي وقبالة فنزويلا، وتمتلك الولايات المتحدة عددًا محدودًا من الطائرات القتالية المتقدمة في الشرق الأوسط، بينما ينتشر معظم أسطول إف 22 وإف 35 في مناطق أخرى، وهذا النقص يقلص الخيارات الهجومية المتاحة للبيت الأبيض، ويجعل أي عملية واسعة أكثر تعقيدًا.

بإمكان واشنطن تنفيذ ضربات رمزية عبر صواريخ توماهوك من المدمرات أو الغواصات، مع مشاركة محدودة لطائرات يتم نقلها جوًا، لكن أي حملة تمتد عدة أيام ستتطلب حاملة طائرات، لتوفير المرونة والاستمرارية العملياتية، ورغم تضرر الدفاع الجوي الإيراني سابقًا، فإن أي عملية تشمل طيارين ستتطلب قمعًا شاملًا للأصول المتبقية، كما أن أسر أي طيار أمريكي سيشكل كابوسًا سياسيًا لترامب، الذي يفضل انتصارات سريعة ونظيفة.

في ضوء تعقيدات الضربة المحدودة، فضَّل ترامب التريث وعدم التدخل المباشر، بعد أن تم إبلاغه بقدرة إيران الكبيرة على الرد، وبصعوبة إسقاط النظام دون حرب برية، وهو خيار مرفوض لديه، وتعزز هذا التقدير مع عودة النظام للسيطرة الداخلية وتراجع خطر الاحتجاجات الواسعة، ويضم الجيش الإيراني نحو نصف مليون جندي، إضافة إلى قوات احتياط وأجهزة أمنية واسعة، ولا تشمل هذه الأرقام نحو 200 ألف عنصر من الحرس الثوري، ومليون عنصر في الشرطة والباسيج، ولذا رغم التفوق العسكري الأمريكي، تجعل هذه الأعداد أي مواجهة طويلة بلا انتصارات سهلة.

كما برر ترامب التوقف الظاهر في تهديداته بتأكيدات من النظام الإيراني بأن القتل توقف، وقدَّم النظام الإيراني وقف ما وصفه بـ800 عملية إعدام للمتظاهرين دليلًا على فعالية التهديدات.