النهار
جريدة النهار المصرية

اقتصاد

قبل أن ينفجر السعر صعوداً: كل ما تحتاج معرفته عن المثلث الصاعد

-

كثير من الناس يظنون أن أسواق المال فوضى لا يمكن فهمها، وأن الأسعار ترتفع وتنخفض دون منطق واضح. لكن المتأمل في حركة الأسواق عبر الزمن يدرك أن ثمة أنماطاً متكررة تظهر مراراً وتكراراً، كأن السوق يتحدث بلغة خاصة لمن يحسن الإنصات. ومن أبرز هذه الأنماط التي يتداولها المحللون الفنيون بشكل واسع، نجد ما يُعرف بـ المثلث الصاعد، وهو نمط يحمل في طياته دلالات قوية على الاتجاه المستقبلي للسعر. في هذا المقال، رحلة مبسطة إلى عالم هذا النمط، وكيف يمكن للمستثمر العادي أن يستفيد منه في قراراته.

ما هو المثلث الصاعد؟

المثلث الصاعد هو نمط بياني يظهر على الرسم الشمعي أو الخطي لأي أصل مالي، سواء كان سهماً أو عملة أو حتى عملة رقمية. يتشكّل هذا النمط عندما تتحرك الأسعار بين خطين: خط أفقي علوي يمثل مستوى مقاومة ثابتاً تتكرر عنده الأسعار دون اختراق حقيقي، وخط صاعد سفلي يعكس تشكيل قيعان أعلى من سابقاتها باستمرار. هذا التضييق التدريجي في نطاق الحركة يشبه إلى حد ما ضغط نابض يوشك على الانطلاق، والسؤال الذي يشغل ذهن كل متداول هو: متى سينطلق؟ وإلى أي اتجاه؟

كيف يتشكل النمط على أرض الواقع؟

لفهم نمط مثلث صاعد بصورة أعمق، لا بد من تصور المشهد كاملاً. يمكن تخيّل أن سهماً يحاول اختراق مستوى سعري معين، مثلاً مئة ريال، لكنه في كل مرة يقترب من هذا المستوى يتراجع بسبب ضغط البيع. غير أن التراجعات نفسها تبدأ في التقلص؛ فبدلاً من أن يتراجع السهم إلى ثمانين ريالاً، يتوقف عند خمسة وثمانين، ثم يتراجع المرة التالية إلى ثمانية وثمانين، وهكذا دواليك. هذا السلوك يقول بوضوح إن المشترين يزدادون ثقة وإصراراً، في حين يفقد البائعون زخمهم تدريجياً. إن النتيجة الحتمية بحسب الخبراء في Exness في الغالب هو اختراق حاسم للمقاومة نحو الأعلى.

ثلاثة مثلثات وثلاثة سيناريوهات

لا يقف عالم المثلثات في التحليل الفني عند حدود المثلث الصاعد وحده، بل تمتد العائلة لتشمل أنواعاً أخرى لكل منها شخصيته وما يُلمح إليه. المثلث الهابط يُشكّل صورة معاكسة تماماً، إذ يثبت فيه السعر عند مستوى دعم أفقي بينما تتراجع القمم باستمرار، مما يوحي بضغط بيعي متراكم يوشك على الانفجار نزولاً. أما المثلث المتماثل فهو الأكثر حيادية بينها جميعاً، حيث تتقارب خطوط الدعم والمقاومة معاً دون أن يمنح السوق إشارة اتجاهية واضحة مسبقاً، تاركاً المتداول في حالة ترقب حتى تتضح لحظة الاختراق الفعلية. فهم هذه الأنواع مجتمعةً يمنح المحلل رؤية أشمل وأكثر نضجاً.

لماذا يهتم المتداولون بهذا النمط تحديداً؟

يحتل المثلث الصاعد مكانة مميزة بين أدوات التحليل الفني لأسباب موضوعية عدة. أولاً، يمنح المتداول نقطة دخول واضحة نسبياً، وهي لحظة كسر مستوى المقاومة مع حجم تداول مرتفع. ثانياً، يوفر مستوى وقف خسارة منطقياً يمكن وضعه أسفل آخر قمة في الخط الصاعد السفلي. وثالثاً، يعطي هدفاً سعرياً تقريبياً يحسب عادةً بإضافة ارتفاع قاعدة المثلث إلى نقطة الاختراق. وهو ما تسهل منصة Exness تطبيقه من خلال أدواتها التحليلية المتكاملة.

هذه المعادلة الثلاثية من الدخول والوقف والهدف تجعل النمط مفيداً للغاية، لا سيما لمن يستخدم الرافعة المالية في تداولاته، إذ تصبح إدارة المخاطر بدقة ضرورة لا ترف، وأي تهاون في هذا الجانب قد يحوّل فرصة رابحة إلى خسارة مؤلمة.

قراءة حجم التداول: المفتاح الخفي

لا يكتمل فهم المثلث الصاعد دون الإشارة إلى دور حجم التداول، ذلك العنصر الذي يغفل عنه كثيرون. في مراحل تشكل النمط، يُلاحظ عادةً أن حجم التداول يتراجع تدريجياً، وهو ما يعكس حالة من الترقب وعدم الحسم بين المشترين والبائعين. لكن عند اقتراب الاختراق، ثمة علامات تسبقه؛ فالحجم يبدأ في الارتفاع ببطء، ثم يقفز بشكل لافت لحظة اختراق خط المقاومة. هذا الارتفاع في الحجم يعدّ بمثابة "توقيع" يؤكد صحة الاختراق، أما الاختراق الذي يتم بحجم خافت، فيستوجب الشك والتريث.

المثلث الصاعد في الأسواق الرقمية

مع صعود العملات الرقمية وانتشار منصات التداول الإلكترونية، أصبح المثلث الصاعد أداة لا غنى عنها في تحليل هذه الأسواق المتقلبة. البيتكوين والإيثيريوم وغيرها من الأصول الرقمية تُظهر هذا النمط بصورة شبه دورية، وربما لأن هذه الأسواق تعمل على مدار الساعة وتضم ملايين المتداولين من خلفيات ونفسيات متباينة، مما يجعل الأنماط السلوكية الجماعية تتجلى بوضوح أكبر. ويرى بعض المحللين أن وضوح النمط في الأسواق الرقمية يتجاوز أحياناً وضوحه في أسواق الأسهم التقليدية، وهو ما يجعله سلاحاً قيماً في يد المتداول الرقمي.

هل المثلث الصاعد معصوم من الخطأ؟

لو كان الأمر بهذه البساطة، لأصبح الجميع أثرياء من التداول. الحقيقة أن المثلث الصاعد، شأنه شأن كل أدوات التحليل الفني، ليس وصفة سحرية مضمونة النتائج. ثمة حالات يفشل فيها الاختراق ويتحول إلى اختراق مزيف، تليه عودة الأسعار إلى الداخل بل وربما هبوطها بشكل حاد. لهذا ينصح المحترفون دائماً باستخدام النمط بالتزامن مع أدوات أخرى كمؤشرات الزخم، ومستويات الدعم والمقاومة الكبرى، وتحليل الإطار الزمني المتعدد. التنوع في أدوات التحليل ليس ترفاً، بل هو الحكمة التي تفصل المتداول الناجح عن المتداول المتسرع.

كيف يستخدم المحترفون هذا النمط فعلياً؟

المتداول المحترف لا ينتظر فقط رؤية المثلث الصاعد على الشاشة ثم يضغط على زر الشراء. الأمر يتطلب صبراً وخطوات منهجية. أولاً، يتأكد من اكتمال تشكّل النمط بوجود نقطتي تماس على الأقل على كلا الخطين. ثانياً، يراقب الاختراق ويتحقق من حجم التداول المرافق له. ثالثاً، يحدد مستوى الدخول بدقة، إما عند الاختراق مباشرة أو عند إعادة الاختبار التي كثيراً ما تحدث حين تعود الأسعار للمس خط المقاومة المكسور الذي يتحول إلى دعم. هذا النهج المنضبط هو ما يميز من يتعامل مع الأسواق بوعي عن من يتعامل معها بالغريزة والحظ.

متى يفشل النمط؟ إشارات التحذير المبكر

ليس كل مثلث صاعد يفضي إلى اختراق حقيقي، وهذه حقيقة يجب أن يستوعبها كل متداول قبل أن يضع أمواله على المحك. ثمة إشارات تحذيرية تسبق الفشل يجدر الانتباه إليها، أبرزها أن يحدث الاختراق في مراحل متأخرة جداً من النمط حين يكون المثلث قد اكتمل بأكثر من ثلاثة أرباعه، إذ تضعف احتمالية النجاح كلما اقترب السعر من رأس المثلث. كذلك يُعدّ غياب حجم التداول المرتفع عند الاختراق علامة تستوجب التوقف والتحقق. المتداول الذكي لا يتجاهل هذه التحذيرات، بل يجعلها جزءاً أصيلاً من منهجه التحليلي.

المثلث الصاعد والتحليل متعدد الأطر الزمنية

من الأخطاء الشائعة أن يتعامل المبتدئ مع المثلث الصاعد على إطار زمني واحد فقط دون أن يتحقق من السياق الأشمل. فالنمط الذي يظهر على الرسم الساعي قد يبدو واعداً، لكن إن كان الإطار اليومي أو الأسبوعي يُشير إلى اتجاه هابط قوي، فإن الاحتمالية الإجمالية لنجاح الاختراق تتراجع. ولهذا يُوصي كثير من المحللين بما يسمى "التحليل من الأعلى إلى الأسفل"، أي البدء بالإطار الزمني الكبير لتحديد الاتجاه العام، ثم النزول إلى الإطارات الأصغر لتحديد نقطة الدخول بدقة. هذا الأسلوب يرفع كثيراً من موثوقية الإشارات التي يولدها المثلث الصاعد.

خلاصة القول: النمط بوصلة لا قرار

في نهاية المطاف، يظل المثلث الصاعد أداة تحليلية رائعة حين يُحسن المستخدم توظيفها. إنه لا يُخبر المتداول بما سيحدث بشكل مؤكد، بل يُرجّح سيناريو على آخر ويمنح الصورة وضوحاً أكبر في ظل ضبابية السوق. الأسواق المالية ستبقى ساحة للمفاجآت، لكن المتداول المسلح بأدوات تحليلية كهذه يقف في موقع أفضل بكثير ممن يتداول على الحدس أو العواطف. الرحلة نحو إتقان قراءة الرسوم البيانية طويلة ومثيرة، والمثلث الصاعد خطوة جوهرية في هذا الطريق.