لماذا لجأ الإيرانيون إلى الفن وسط الأزمة الطاحنة في الداخل؟

أجابت الدكتورة شيماء المرسي، الخبيرة في الشأن الإيراني، على التساؤل الخاص بـ «لماذا لجأ الإيرانيون إلى الفن وسط الأزمة الطاحنة في الداخل؟»، موضحة أنه في لحظات الصدام الكبرى بين الشعب الإيراني والنظام الحاكم، يلجأ الإيرانيون إلى الفن كملاذ للتخفيف من وطأة الواقع، ولشحن ذواتهم بالهوية الوطنية والارتباط بالتاريخ الحضاري، موضحة أن نشيد إيران جوان للمغني الإيراني الكبير كردي الأصل، شهرام ناظري، يعود إلى دائرة الضوء، إذ يُعاد تداوله على نطاق واسع بين المتظاهرين الإيرانيين، بمشاركة نخبة من فنانات السينما الإيرانية.
وأوضحت في تجليل لها، أن اللحن الأصلي للنشيد يعود إلى عهد ناصر الدين شاه القاجاري، وقد ألفه الملحن الفرنسي ألفريد لومير، وفي البداية كان النشيد بلا كلمات تحت اسم "سلام شاه"، قبل أن تُضاف عليه كلمات فارسية لاحقا في عهد الدولة البهلوية، بعد أن تغير اسم بلاد فارس إلى إيران، وأشهر نص متداول يعود إلى بيجن ترقي (بیژن ترقی).
وأكدت أنه لم يكن النشيد يوما رسميا آنذاك، فالأناشيد الوطنية الرسمية في عهد الدولة البهلوية كانت مختلفة كسرود شاهنشاهي، لكنه اكتسب شعبية واسعة بسبب إيقاعه الملحمي وجماله العاطفي وعمق كلمات نصه، ومازال يُؤدى في الاحتفالات الوطنية والاحتجاجات على حد سواء، سواء على أيدي فنانين مثل شهرام ناظري، سالار عقيلي، دريا دادور أو من قبل الحشود الإيرانية نفسها.
وأوضحت الدكتورة شيماء المرسي، أنه في عهد نظام الجمهورية الإسلامية، شهد النشيد انتشارا واسعا خلال الانتخابات الرئاسية العاشرة وحركة الاحتجاجات السلمية الضخمة (جنبش سبز) عام 2009، ما يعكس قدرته على التعبير عن الهوية والارتباط الوطني في أوقات الأزمة، أما إعادة تداوله حاليا فيؤكد ما قلته أمس أثناء مداخلتي مع التلفزيون المغرب Medi1TV بأن الاحتجاجات الإيرانية ليست متجانسة، بل تنقسم بين أطراف مركزية مندمجة تاريخيا في الدولة الإيرانية (الفارسية والأذرية)، وغير فارسية مهمشة.
وأكدت أن الإيرانيون ذوو الهوية الفارسية والأذرية، الذين يتركزون في المدن الكبرى مثل طهران، أصفهان، شيراز، تبريز، يمتلكون وعيا عميقا بهويتهم التاريخية والحضارية، وارتباطا وثيقا بالدولة الإيرانية إلى ما قبل الإسلام، فهؤلاء قد يثورون على سياسات النظام ويسحبون منه شرعيته الوطنية، لكن من غير المرجح أن يسعوا إلى تخريب الدولة، إذ يرون في ذلك خيانة لتاريخهم وهويتهم، أما الأقليات غير الفارسية، وخاصة البلوچ، الأكراد، وعرب الأهواز، فقد عانوا لسنوات من التهميش البنيوي والقمع، ما أفضى إلى انفجار غضبهم عند أول فرصة للاحتجاج ضد النظام، وتصادموا بعنف مع قوات الأمن والبسيج، ما يعني أن هذه الاحتجاجات ليست تعبيرا عن الوطنية بقدر ما هي نتيجة تراكم الإقصاء الداخلي، واستغلال الولايات المتحدة للفراغ السياسي جزئيا.
وذكرت الخبيرة في الشأن الإيراني، أن القائد الأعلى الإيراني، علي خامنئي، وقع في فخ تقسيم المحتجين في خطابه الأول بتاريخ 3 يناير 2026، حينما ميز بين المحتجين السلميين والتجار، ممن له الحق في الاحتجاج، وبين الغاضبين، الذين صنفهم كعناصر إرهابية وممولة من الخارج، وهذا التقسيم فاقم من وطأة الاحتجاجات حتى 9 يناير 2026، قبل أن يدرك في خطابه يوم 9 يناير 2026 أن أطراف إيران الشمالية والجنوبية لا يمكن كبح غضبها طالما بقيت البنية السياسية مهمشة للأقليات.

