وائل الطوخي: «تروما الصحافة الاقتصادية» تكشف التعقيد النفسي داخل عقل الصحفي مع التضخم وارتفاع الأسعار

ماذا يشعر الصحفي الاقتصادي عندما يكتب خبرًا عن ارتفاع معدلات التضخم أو زيادة أسعار السلع؟
هذا السؤال الجوهري يشكّل المدخل الأساسي لكتاب «تروما الصحافة الاقتصادية» للصحفي وائل الطوخي، الصادر عن دار ميثاق للنشر والتوزيع، والذي يُعد أول دراسة عربية متخصصة تتناول الأثر النفسي لتغطية الأزمات الاقتصادية على الصحفيين.
الدراسة أُجريت على مدار عام ونصف، وشارك فيها 347 صحفيًا، من بينهم 251 صحفيًا متخصصًا في الاقتصاد وأسواق المال، واعتمدت على أكثر من 30 مرجعًا أجنبيًا في مجالات الإعلام وعلم النفس والصحة المهنية، ما يمنحها بعدًا علميًا وتحليليًا غير مسبوق.
الصحافة الاقتصادية… صدمة تتجاوز الخبر
يطرح الكتاب رؤية مختلفة للصحافة الاقتصادية، باعتبارها ليست مجرد نقل أرقام وبيانات، بل تجربة نفسية مركّبة يعيشها الصحفي لحظة بلحظة، منذ رصده لحركة الأسواق وحتى صياغة الخبر ونشره للجمهور.
ويقول وائل الطوخي:
«هذا ليس مجرد خبر اقتصادي، بل اختبار حقيقي لمشاعرنا وطموحاتنا. كيف نكتب عن التضخم ونحن نفكر في مستقبلنا المالي؟ وكيف نواجه ارتفاع الأسعار دون أن تتحرر مشاعرنا من القلق والخوف؟».
الصحفي الاقتصادي… أول من يتلقى الصدمة
يناقش الكتاب أبعاد الصدمة النفسية التي يتعرض لها الصحفيون الاقتصاديون في ظل التغطية المستمرة للأخبار السلبية، مثل ارتفاع التضخم، وزيادة البطالة، وتراجع قيمة العملة، وغلاء السلع الأساسية، وهي أخبار لا تمس الجمهور فقط، بل تصيب الصحفي ذاته في صميم حياته الشخصية والمهنية.
ويكشف الطوخي أن هذا النوع من التغطية يضاعف من معدلات الاحتراق الوظيفي والضغط النفسي، ويجعل التروما الاقتصادية أكثر تعقيدًا من تلك المرتبطة بتغطية الحروب أو الكوارث، لأنها ممتدة زمنيًا ولا تمتلك لحظة نهاية واضحة.
«لاعب أكروبات» داخل المنظومة الاقتصادية
يصف الطوخي الصحفي الاقتصادي بأنه «لاعب أكروبات» يحاول الحفاظ على توازنه بين أدوار متناقضة:
مواطن يتأثر بالأزمات الاقتصادية،
صحفي مطالب بالحياد والدقة،
وضحية نفسية أولى تتلقى الصدمة قبل القارئ.
وفي هذا السياق، تصبح تغطية أخبار مثل تحرير سعر الصرف أو انهيار قيمة العملة تجربة نفسية معقدة، تتطلب قدرة عالية على إدارة الضغط وتحويله إلى أداء مهني مسؤول.
شعور باللاانتماء ووحدة مهنية
تكشف الدراسة عن شعور متزايد بـ اللاانتماء لدى الصحفي الاقتصادي، إذ يراقب أطراف المنظومة الاقتصادية كافة – الحكومة، السوق، المواطن – بينما يتنصل الجميع من مسؤوليته النفسية، ليجد نفسه وحيدًا في مواجهة تأثير هذه الأخبار على حياته الاجتماعية والشخصية.
الخوف الوجودي ونظرية «إنكار الموت»
يربط الطوخي تجربة الصحفي الاقتصادي بما يسميه الخوف الوجودي، مستندًا إلى نظرية عالم النفس الأمريكي إرنست بيكر في كتابه «إنكار الموت»، حيث يسعى الإنسان إلى الهروب من الخوف عبر الإنكار أو التسامي.
ويشير إلى أن الصحفي، أمام التحولات الاقتصادية المفاجئة، يضطر لإنكار مخاوفه من أجل الاستمرار في العمل، مع اختلاف طرق التعامل مع الصدمة حسب العمر والخبرة:
الشباب يقلّلون من المخاطرة المستقبلية،
الناضجون يفضلون التوقف المؤقت،
الأكبر سنًا يبحثون عن السلام النفسي.
فجوة الدعم داخل غرف الأخبار
يسلط الكتاب الضوء على تفاقم التروما النفسية في ظل غياب ثقافة الدعم النفسي داخل غرف الأخبار العربية، مقارنة بالمؤسسات الإعلامية الكبرى في أوروبا والولايات المتحدة، التي توفر برامج دعم نفسي وفرقًا قانونية تحمي الصحفيين.
في المقابل، تفتقر معظم المؤسسات العربية إلى هذه البنية، ما يضاعف من الضغوط المهنية والنفسية المرتبطة بالصحافة الاقتصادية.
عن المؤلف
يعمل وائل الطوخي صحفيًا بمجلة المصور وجريدة أهل مصر، ويشرف على أقسام الاقتصاد وتكنولوجيا المعلومات، وهو مؤسس شبكة تيلي تايم لتكنولوجيا المعلومات، ويشغل أمانة لجنة الإعلام الرقمي بالجمعية المصرية للصحفيين والإعلاميين والأدباء.
وشغل سابقًا عضوية المركز الصحفي لمعرض Cairo ICT لمدة 8 سنوات، وترأس لجنة الإعلام بمنتدى الاستشاريين المصريين (2021–2024)، وحصل على جائزة التميز الصحفي من وزارة التضامن الاجتماعي ونقابة الصحفيين عام 2022، كما أشرف على أبحاث ماكنزي للذكاء الاصطناعي التوليدي في الشرق الأوسط عام 2023.
وهو حاصل على بكالوريوس إعلام من جامعة القاهرة، ودبلوم الإعلام المهني المتخصص من مشروع ميتا للصحافة – مركز كمال أدهم بالجامعة الأمريكية (2021).


