أسامة شرشر يكتب: محمد صلاح رئيسًا للوزراء!

جاءتنى فكرة مجنونة وُلدت أثناء متابعة مباراة مصر وكوت دى فوار (ساحل العاج).. ماذا لو يصبح محمد صلاح رئيسًا لوزراء مصر؟ رئيس وزراء بالمعنى الرياضى وليس السياسى.
فبعد حملات من التشكيك والتقليل من قدرة محمد صلاح بصفة خاصة ومنتخب مصر بصفة عامة وحتى التشكيك فى حسام حسن نفسه كمدرب، بالقول إنه غير قادر على العبور للأدوار النهائية لأمم أفريقيا، وذلك من خلال حملة ممنهجة لنشر الإحباط فى الشارع الكروى، ثم انتشار أصوات تؤكد أنه لا يمكن للمنتخب بأى حال من الأحوال أن يعبر كوت دى فوار؛ لأنه ليس مثل منتخب بنين، وبدا الأمر مثل الدعاية الإسرائيلية عن خط بارليف، فجاء منتخب مصر ليؤكد قدرته على التحدى، وأنه عندما يوضع فى موضع اختبار لمعدنه الأصيل فإنه قادر على تقديم ما لا يصدقه عقل، فصنع محمد صلاح وكتيبة المنتخب إنجازًا كرويًا رائعًا لم يأت بمحض الصدفة ولكنه جاء بناء على تخطيط وأداء وتنفيذ ورغبة فى اجتياز هذه العقبة أمام أقوى فريق فى البطولة الأفريقية الذى حصل على كأس أفريقيا فى البطولة السابقة.
والشىء المثير للإعجاب والانتماء لهذا الوطن هو ما يسمى فى علم النفس، حالة التوحد الجمعى والشعبى خلف منتخب مصر الذى كان على قدر المسئولية واستطاع بقيادة محمد صلاح وكتيبة اللاعبين اسمًا اسمًا وتحت قيادة فنية للكابتن حسام حسن أن يفوز بالمباراة التى كانت تمثل بطولة خاصة في حد ذاتها فى الأدوار الإقصائية لأمم أفريقيا التى أحسنت المملكة المغربية تنظيمها من خلال رؤى عملية وتخطيطية.
ما أحوجنا اليوم إلى الروح المعنوية والقتالية التى ظهر بها منتخب مصر فى هذه المباراة التى أعطتنا رسالة أننا نسطيع بالإعداد الجيد والأداء القوى والتنفيذ المنضبط أن نسعد الشعب المصرى العظيم الذى يعتبر كرة القدم المتنفس السياسى والرياضى وهى أكسجين الحياة الصعبة التى يعيشها المصريون العظماء!
كما تعطى هذه النتيجة معنى آخر وتساؤلًا معقولًا: لماذا لا نطبق هذه التجربة الرياضية التى أثبتت نجاحها على المشهد السياسى المصرى وعلى اختيار نواب البرلمان باختيار الكفاءات والعناصر المستقلة فى مجالسنا النيابية بطريقة تتسم بالشفافية والنزاهة وإنفاذ القانون ومحاسبة الفاسدين والمفسدين للحياة السياسية المصرية من خلال قائد مسئول لفريق العمل مثل محمد صلاح.
والأخطر هو: لماذا لا تقوم الحكومة بعمل إنجاز اقتصادى حقيقى يكون العائد منه فى جيوب الشعب المصرى بعيدًا عن الإتاوة الضريبية والغلاء الذى لم يحدث مثله فى تاريخ مصر المحروسة؟!
وأعتقد أن الحكومة تمارس على هذا الشعب العظيم- وهو يعرفها ويفهمها- نوعًا من أنواع القهر ولا تعمل على إسعاد المصريين مثلما فعل منتخبنا الوطنى فى هذه المباراة التى كانت طوق نجاة لإثبات قدراته ومهارات اللاعبين وأن مصر ما زالت كبيرة القارة الأفريقية كرويًا بإنجازاتها وتاريخها كأكثر دولة حاصلة على لقب كأس أمم أفريقيا (7 مرات)، فهناك معطيات ومفردات لا تجدها فى أى دولة أخرى مشاركة فى البطولة.
فرغم حالات التهميش والتقليل من شأن منتخب مصر والتأكيد على أنه خارج الحسابات ولن يتخطى الدور الأول للبطولة، فاجأ محمد صلاح ولاعبو المنتخب كل الحاقدين بالوصول إلى الدور قبل النهائى وما زالوا يسعون لتحقيق الحلم المصرى الكامن فى قلوب ووجدان هذا الشعب العظيم، بعدما حققوا معجزة كروية بمعنى الكلمة، وليست المعجزة فى فوز المنتخب، ولكن المعجزة هى الفوز بأداء أذهل الجميع أصدقاء وأعداء كرويين، وكأن منتخب مصر يعيدنا للزمن الجميل، زمن الإيمان بقدرة اللاعب المصرى والمدرب المصرى، بعيدًا عن موضة الانبهار بالأجانب الذين انبهروا فى ليفربول ومانشستر سيتى بأداء أبنائنا المحترفين مع المنتخب المصرى.
وهنا لا بد أن نتذكر الكابتن محمود الجوهرى، رحمه الله، والكابتن حسن شحاتة، شفاه الله وأطال فى عمره، فالكابتن حسام حسن امتداد حقيقى وطبيعى لهذا الشريان الذى يضخ الدماء فى عروق الكرة المصرية، حتى أصبحنا نشاهد منتخبًا يقوده المايسترو محمد صلاح ومعه العازف عمر مرموش وإمام العاشقين الذى قدم أداء يفوق المحترفين الأفارقة فى أوروبا، وكذلك رامى ربيعة وياسر إبراهيم وحسام عبدالمجيد ومعهم فتوح وهانى والمبدع مروان عطية والمقاتل الصامت حمدى فتحى وخلفهم محمد الشناوى، فهذه الكتيبة أسعدت 120 مليون مصرى وجعلت المصريين فى الخارج وفى الداخل يفتخرون بالأيقونة التى لا تتكرر كثيرًا فى تاريخ مصر وهو محمد صلاح الذى أصبح حديث العالم ببساطته وتواضعه وقيادته، وكأنه يعطى رسالة للجميع أن مصر هنا، وتستطيع أن تحقق أى معجزة كروية.
أنا على المستوى الشخصي أعتبر أن هذه المباراة هى شهادة ميلاد جديدة للمنتخب المصرى ضد الشائعات والهجوم من أقرب الأقربين، وللأسف الشديد من يدفع الضريبة هم المخلصون من أبناء هذا الشعب العظيم.
وهذه المباراة هى رسالة للحكومة أن تتقى الله فى هذا الشعب، وأن تعيد حساباتها مع نفسها أولًا، وتحاول أن تسعد هذ الشعب المخلص والوطنى الذى فرحته لمنتخب بلده فرحة محايدة من القلب بلا نفاق أو رياء، بدلًا من الرؤية الغريبة والخطيرة التى تحاول الحكومة تسويقها بتوزيع الديون على الشعب!
وعلى البرلمان ألا يصدر فقط مزيدًا من التشريعات لمجرد التشريعات، فالرقابة وتنفيذ التشريعات على الأرض أهم وهى التى تحكم إذا كان هذا البرلمان ناجحًا أم فاشلًا، وللأسف الشديد السوابق البرلمانية تؤكد أن الشعب المصرى حكم على هذا البرلمان الجديد بأنه لا يعبر عنه.
وأخيرًا وليس بآخر، أعتقد أن الحلم الذى يحلم به أكثر من 120 مليون مصرى، هو أن يختتم صلاح مسيرته الدولية مع المنتخب بالحصول على بطولة أمم أفريقيا، لتكون درة التاج الذى يستحقه النجم المصرى ومعه المدرب الوطنى حسام حسن وكتيبته الرائعة التى أسعدت الجميع فى ليلة لن ينساها أحد.
تمنياتى للمنتخب الوطنى بالتوفيق، فى مباراة الأربعاء ضد السنغال، بعدما أزحنا أخطر عائق من طريقنا للحصول على البطولة وهو منتخب ساحل العاج (كوت دى فوار)، وأعتقد أننا إذا قدمنا نفس الأداء أمام منتخب السنغال فإننا سنكون طرفًا فى نهائى كأس أفريقيا بل سنفوز بالبطولة إن شاء الله ونحقق الحلم الذى غاب عنا منذ 2010 عندما كانت هناك حكومة رشيدة وهناك برلمان حقيقى يعبر عن آهات المصريين.

