النهار
جريدة النهار المصرية

ثقافة

الدكتور محمد عثمان الخشت في «كلام في الثقافة»: الثقافة ليست ترفًا بل حائط الصد الأول ضد التطرف ومفتاح بناء الدولة المدنية الحديثة

الأستاذ الدكتور محمد عثمان الخشت
محمد هلوان -

استضاف بودكاست «كلام في الثقافة» في موسمه الثاني على قناة «الوثائقية» المصرية، المفكر المصري الكبير الأستاذ الدكتور محمد عثمان الخشت، رئيس جامعة القاهرة السابق وعضو المجلس العلمي الأعلى لجامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية، في حلقة فكرية موسعة تناولت مسيرته الفكرية، وتكوين الشخصية المصرية، ودور الثقافة والفنون في بناء الوعي، إلى جانب قضايا تجديد الخطاب الديني، وفلسفة الدين، والعلاقة بين العقل والنص.

بودكاست «كلام في الثقافة»

وأكد الدكتور محمد الخشت أن الثقافة والفنون ليستا ترفًا، بل تمثلان «قوة ناعمة» قادرة على صناعة الدول وحماية المجتمعات، مشددًا على أن الثقافة هي خط الدفاع الأول ضد الإرهاب والتطرف. وأوضح أن الفنون والأنشطة الثقافية تخلق وعيًا نقديًا يحصّن العقل ضد الأفكار الأحادية والمغلقة.

واستعاد الخشت ذكريات نشأته في سبعينيات القرن الماضي، مشيرًا إلى أن المدارس الحكومية آنذاك لم تقتصر على التعليم الأكاديمي، بل أولت اهتمامًا حقيقيًا بالأنشطة الرياضية والموسيقية والفنية والزراعية، إلى جانب حصص اللعب، معتبرًا أن هذه الأنشطة لم تكن لهوًا، بل أسهمت في بناء العقل والوجدان، وصناعة شخصية متوازنة قادرة على التفكير والإبداع.

وأكد أن قصور الثقافة، والمسارح، ودور السينما، والمكتبات العامة لعبت دورًا محوريًا في تشكيل وعي جيله، وكانت بمثابة «حائط صد» منيع ضد التطرف، وهو ما يفسر – بحسب تعبيره – قدرة المجتمع المصري على الحفاظ على توازنه الثقافي رغم التحولات العاصفة.

محمد عثمان الخشت

وكشف الدكتور الخشت عن شغفه المبكر بالقراءة منذ الطفولة، وارتباطه بالكتب والعلوم الدينية في سن مبكرة، قبل أن يتجه إلى دراسة الفلسفة بدافع التساؤلات الكبرى حول الإيمان والوجود وطبيعة الكون والحياة، مؤكدًا أن «حب السؤال» كان المدخل الحقيقي لنقد الفهم الواحد للنصوص، والانفتاح على فكرة «تعدد الصواب» بدلًا من احتكار الحقيقة.

وربط الخشت بين نشأته في ظل حرب الاستنزاف ونصر أكتوبر 1973، وبين نظرية «التحدي والاستجابة» للمؤرخ أرنولد توينبي، معتبرًا أن هزيمة يونيو 1967 كانت «التحدي»، بينما كان الوعي الوطني الذي تشكّل في الشارع المصري، والثقة في قدرات الدولة والجيش، هو «الاستجابة» التي تجلّت في نصر أكتوبر، باعتباره تعبيرًا عن قدرة الأمة المصرية على تحويل الانكسار إلى قوة.

وشدد الخشت على أن التراث الديني جهد بشري قابل للمراجعة والنقد، وأن تقديس التفسيرات الفقهية يتناقض مع طبيعة الوحي القرآني الذي يحمل دلالات متعددة تسمح بتجدد الفهم عبر العصور. وأكد أن الثوابت الدينية محصورة في القرآن والسنة المتواترة، بينما يظل ما عدا ذلك مجالًا للاجتهاد وإعمال العقل، وفق ضوابط علمية واضحة، في مقدمتها عدم التناقض والتوافق مع حقائق الواقع والكون.

وأوضح الفرق بين «فلسفة الدين» و«الفلسفة الدينية»، مشيرًا إلى أن فلسفة الدين علم حديث نسبيًا في السياق العربي، يدرس الظاهرة الدينية دراسة عقلية نقدية محايدة، مستعينًا بتاريخ الأديان وعلم الاجتماع والنقد التاريخي، بعيدًا عن الانطلاق الإيماني المسبق الذي يميز الفلسفات الدينية التقليدية.

محمد عثمان الخشت

وأكد الدكتور محمد الخشت أن الفلسفة ليست نقيضًا للإيمان، ولا تتعارض مع العقيدة، موضحًا أن كبار فلاسفة التاريخ كانوا مؤمنين، وأن العقل يمثل أحد أهم الطرق إلى الله، ولا يجوز احتكار الحقيقة أو تكفير الآخر استنادًا إلى معايير زمنية أو دينية مغلقة.

واختتم الخشت حديثه بالتأكيد على أن تطور الأديان لا يعني بشريتها، بل يعكس تطور الوعي الإنساني، موضحًا أن الله يخاطب البشر على قدر عقولهم، وأن الانتقال التاريخي من تعدد الآلهة إلى التوحيد يمثل تطورًا في تصور الألوهية، وهو تطور لا يتناقض مع الإيمان، بل يقع في صميمه.

يُذكر أن الدكتور محمد عثمان الخشت يعد أحد أبرز المفكرين والأكاديميين المصريين المعاصرين، وشغل منصب رئيس جامعة القاهرة خلال الفترة من 2017 إلى 2024، وله إسهامات فكرية وعلمية مهمة في مجالات الفلسفة والدراسات الدينية وبناء الدولة الحديثة، من بينها «موسوعة الأديان العالمية» و«نحو تأسيس خطاب ديني جديد».