النهار
جريدة النهار المصرية

ثقافة

بين النعي والاتهام.. جدل فلسفي وأخلاقي يشعل فيسبوك بعد وفاة مراد وهبة

مراد وهبة
محمد هلوان -

لم تمرّ وفاة المفكر والفيلسوف المصري مراد وهبة مرورًا هادئًا على مواقع التواصل الاجتماعي، إذ سرعان ما تحولت لحظة العزاء إلى ساحة جدل فكري وأخلاقي واسع، بعد تعليق صادم نشرته الدكتورة يمنى الخولي، أستاذة فلسفة العلم بجامعة القاهرة، وابنة المفكر الراحل طريف الخولي، على حسابها الشخصي في «فيسبوك».

كتبت الخولي تعليقًا مقتضبًا وحادًا قالت فيه: «مات مراد وهبة.. خالص عزائي للصهيونية العالمية. فقد آمن بالصهيونية كما لم يؤمن بها مخلوق من قبل ولا من بعد».

يمنى الخولي
وأضافت أنها تجد صعوبة في أن تقول «الله يرحمه»، مبررة ذلك بأنه – من وجهة نظرها – لم يبدِ تعاطفًا مع مئات الآلاف من ضحايا غزة، ولم يغيّر موقفه قيد أنملة، وظلت إسرائيل في نظره «فوق الحساب»، نموذجًا يُحتذى، يسارًا ويمينًا.

اللافت في تعليقها أنها أدرجت تجربتها الشخصية معه، مشيرة إلى أنه كان أحد من منحها درجة أستاذ مساعد، وكتب في تقاريره الأكاديمية عنها ثناءً غير مسبوق، ومنحها أعلى الدرجات في بحوثها. ورغم ذلك، تصفه بأنه ظل طيفًا «صاعقًا» بالنسبة لها، وتذهب إلى أبعد من ذلك بوصفه «ملكيًّا أكثر من الملك، وصهيونيًّا أكثر من الصهاينة أنفسهم».

هذا التعليق لم يمر دون ردود فعل، بل فتح بابًا واسعًا من النقاش والانقسام. بين من رأى في كلام الخولي شهادة من داخل الوسط الأكاديمي تستحق التوقف، ومن اعتبره اتهامًا خطيرًا أُطلق دون سند علمي أو توثيق فكري.

مراد وهبه

الكاتبة شوشت مجدي كانت من بين الأصوات التي طالبت بالتريث، معتبرة أن اتهام شخص بالصهيونية ليس أمرًا هيّنًا، خاصة وأن المتهم قد رحل ولم يعد قادرًا على الرد. ودعت الخولي إلى توضيح موقفها وتقديم أدلة واضحة، سواء عبر مقتطفات من كتابات مراد وهبة أو مواقف موثقة تؤكد هذا الاتهام. وأشارت إلى أن استخدام توصيف «صهيوني» في بعض السياقات قد يكون مجازيًا أو ساخرًا، وليس بالضرورة توصيفًا أيديولوجيًا دقيقًا.

في المقابل، أعاد كثيرون التذكير بمواقف مراد وهبة الفكرية المعروفة، والتي يرى فيها أن «الأصولية الدينية» – بكل أشكالها – هي العدو الأول للتقدم. وهو تصور لم يقتصر لديه على الأصولية الإسلامية، بل شمل أيضًا الأصولية اليهودية، بما فيها الصهيونية الدينية. وكان وهبة يميّز بوضوح بين الصهيونية الدينية المتشددة، وبين الصهاينة العلمانيين، الذين رأى إمكانية إقامة سلام وعلاقات طبيعية معهم، شريطة مواجهة الأصوليات الدينية في الجانبين.
هذا التصور، وإن اختلف معه كثير من الفلاسفة والمفكرين، واعتبره بعضهم حالمًا أو موهومًا، إلا أن أغلبهم لم يختزلوا تاريخه الفكري الطويل – الممتد لأكثر من سبعة عقود – في موقف واحد أو رؤية واحدة تتعلق بالقضية الفلسطينية أو بإسرائيل.

ابتهال عبدالوهاب

وفي قراءة أعمق للجدل، كتبت الأستاذة ابتهال عبدالوهاب تعليقًا مطولًا رأت فيه أن منشور الدكتورة يمنى الخولي لا يطرح إشكالًا شخصيًا بقدر ما يكشف عن أزمة معرفية ومنهجية. واعتبرت أن الاتهام الأيديولوجي، حين يُطلق دون تحليل نصي أو تفكيك مفاهيمي أو إحالة إلى أعمال مكتوبة قابلة للنقاش العلمي، يخرج من دائرة النقد الفلسفي إلى دائرة الإدانة الخطابية.
وترى عبدالوهاب أن المشكلة ليست في الموقف ذاته، بل في المنهج الغائب، مؤكدة أن الفلسفة – قبل أن تكون موقفًا سياسيًا – هي طريقة تفكير، تقوم على الحجة والسؤال، لا على الاتهام وتوزيع الأحكام الأخلاقية المطلقة.

وتساءلت: كيف يمكن لأستاذة فلسفة، يفترض أنها درّبت عقلها على الشك والتفكيك واحترام الرأي الآخر، أن تنزلق إلى منطق الاتهام الجاهز؟ مشددة على أن الفلسفة لا تحاكم الأشخاص، بل البنى الفكرية، ولا تصدر أحكام خلاص أو إدانة، بل تكشف الشروط التي تجعل التفكير ممكنًا. وخلصت إلى أن ما كُتب لا يمثل نقدًا لمراد وهبة بقدر ما يفضح – من دون قصد – فكرًا مغلقًا يخشى السؤال ويتغذى على التصنيف.

وفي اتجاه آخر، رأى بعض المتفاعلين أن تعليق الخولي لا يندرج تحت النقد الفكري أصلًا، بل يمثل شكلًا من الإقصاء الأخلاقي، وتنصيب الذات قاضيًا باسم الله. وأكدوا أن الاختلاف السياسي أو الفكري مع مراد وهبة حق مشروع، لكن تحويل هذا الاختلاف إلى حرمان من الرحمة الإلهية هو تجاوز خطير. فالرحمة – بحسب هؤلاء – ليست مكافأة سياسية، ولا شهادة حسن سلوك وطنية، ولا تُمنح أو تُسحب بناءً على موقف من قضية بعينها، مهما كانت عدالتها أو مركزيتها.

وذهب هذا الرأي إلى أن أخطر ما في التعليق ليس اتهام مراد وهبة، بل الادعاء الضمني بالحديث نيابة عن الله، وتوزيع الرحمة أو نزعها. معتبرين أن هذا المنطق يعيد إنتاج ما يُنتقد في الصهيونية ذاتها: نزع الإنسانية، والإقصاء الأخلاقي، والعنف باسم المقدس.
واختصروا موقفهم بسؤال مباشر: من منح أي إنسان حق تقرير من يستحق الرحمة ومن لا يستحقها؟ فالرحمة الإلهية، في تصورهم، أوسع من غضبنا، وأعمق من مواقفنا السياسية، وأكبر من كل حساباتنا الأيديولوجية.

هكذا، تحوّلت وفاة مراد وهبة من لحظة وداع إلى مرآة عاكسة لأزمة أعمق: أزمة في كيفية إدارة الخلاف، وحدود النقد، والفارق الدقيق بين المحاسبة الفكرية والإدانة الأخلاقية. وبين من رأى في التعليق شجاعة، ومن رآه سقوطًا منهجيًا، ظل السؤال معلقًا: هل نناقش الأفكار.. أم نحاكم أصحابها؟