النهار
جريدة النهار المصرية

ثقافة

حين صمتت الجائزة وتكلم الخطاب.. حكاية حجب «ساويرس» للقصة القصيرة والغضب الذي تلاه

حفل إعلان نتائج جائزة ساويرس الثقافية
-

لم يكن مساء إعلان نتائج جائزة ساويرس الثقافية مساءً عابراً. القاعة مضاءة، الوجوه متأهبة، والكتّاب الشباب يحملون ذلك القلق الجميل الذي يسبق الحلم أو انكساره. الجميع يعرف أن الحجب احتمال مشروع، وأن اللجان من حقها أن تقول «لا»، لكن أحداً لم يتوقع أن تتحول الـ«لا» إلى حكاية طويلة من الغضب والالتباس والخذلان.

نجيب ساويرس

حين اعتلى جرجس شكري المنصة، نيابة عن لجنة اختيار الأعمال الفائزة، لم يكن الحضور يتوقع أكثر من إعلان تقليدي للنتائج. غير أن الكلمات خرجت محمّلة بما فُهم لاحقاً بوصفه حكماً عاماً لا تقييماً فنياً. الجائزة الأولى في فرع القصة القصيرة (أدب الشباب) محجوبة، والسبب – كما قيل – أن الأعمال المقدمة، وعددها 46، لم يبلغ أيٌّ منها مستوى الاستحقاق.

في تلك اللحظة، لم يكن القرار هو الصادم، بل الطريقة. فالإبداع، كما يعرف الكتّاب، ليس سلعة متشابهة ولا نمطاً ثابتاً يعاد إنتاجه، بل حالة إنسانية خالصة، تتفاوت قراءتها وتقديرها. ومع ذلك، بدا الخطاب وكأنه يصدر حكماً قاطعاً على جيل كامل، لا على نصوص بعينها.

جرجس فوزي

بدأت الحكاية تتعقّد حين استرسل المتحدث في المقارنة. قال إن اللجنة قرأت 69 رواية، كانت – في معظمها – متميزة ومبتكرة، تستخدم أساليب جديدة في السرد، حتى أن اللجنة شعرت بالحيرة لرغبتها في منح الجائزة للجميع. ثم جاءت المقارنة القاسية: نحو 46 مجموعة قصصية، معظمها – بحسب وصفه – يفتقد المقومات الفنية الأساسية لفن القصة القصيرة، على عكس ما وجدوه في الرواية.

بدا المشهد وكأن الرواية صعدت منصة التفوق، فيما أُنزِلت القصة القصيرة إلى خانة الاتهام. تحدّث عن حيرة اللجنة بين الالتزام باللائحة ومنح الجائزة الأولى، أو اتخاذ موقف «رسالي». فاختارت – وفق كلمته – أن تحجب الجائزة لتبعث رسالة مفادها أن القصة القصيرة فن صعب، يحتاج إلى وعي وقدرات خاصة، وأن المعرفة هي الطريق الوحيد إلى الإبداع.

هدى عمران

هنا، لم تعد المسألة جائزة محجوبة، بل خطاباً فُهم على أنه تقريع، بل وتجهيل ضمني، لعشرات الكتّاب. ساد شعور بأن اللجنة لم تكتفِ بالقول إن النصوص لم تكن الأفضل، بل ذهبت أبعد من ذلك، لتقول – ضمناً – إن الكتّاب لم يدركوا بعد معنى الفن الذي يكتبونه.

ومع انفضاض الحفل، لم تنتهِ القصة. انتقلت إلى الفضاء الأوسع، حيث نشر جرجس شكري توضيحاً عبر صفحته الشخصية. قال إن اللجنة حَجبت الجائزة لتواضع مستوى السواد الأعظم من الأعمال، وإن منح الجائزة في هذه الحالة سيكون منافياً للعدالة وقناعة اللجنة. أوضح أن كثيراً من النصوص جاءت أقرب إلى الحكايات والخواطر، تفتقر إلى العمق الفكري والاشتغال الفني. شدد على أن القرار يخص القصة القصيرة فقط، وأنه مجرد رأي قد يختلف معه البعض، وأن وجود أعمال متميزة لا يعني بالضرورة استحقاقها للجائزة، التي تذهب دائماً للأكثر تميزاً. وختم بأن ما كتبه ليس رداً على الغضب، بل توضيحاً.

غير أن الغضب كان قد بدأ بالفعل.

وائل الملا

كتّاب، مشاركون وغير مشاركين، شعروا أن القضية لم تعد ذوقاً فنياً، بل مسألة كرامة إبداعية. ناشرون وفنانون دخلوا على الخط، معتبرين أن اللغة المستخدمة تجاوزت النقد إلى الإهانة.

الكاتبة هدى عمران أعلنت موقفها بوضوح: رفض قاطع لأي تقييم يصدر عن لجنة، ترى أنها تتبنى تصوراً وصائياً للفن، لا يكتفي بالتحكيم بل يلقّن الكتّاب كيف يُكتب الإبداع. قالت إنها لا تعتد بهذا التقييم ولا تعتبره معبّراً عن عملها أو عن فهمها للفن، وأعلنت تبرعها الكامل بقيمة الجائزة لصالح أطفال غزة، مؤكدة أن القيمة الحقيقية للإبداع لا تُقاس بجائزة أو رأي لجنة، بل بالأثر الإنساني.

أحمد السعيد

أما وائل الملا، صاحب دار نشر مصر العربية، فاختصر موقفه بكلمة واحدة: «سخافة». فيما رأت الكاتبة نها الشاذلي أن بيان الحجب لم يُقدَّم كنقد محايد، بل جاء في صورة توبيخ مباشر. أكدت أن الحجب حق أصيل للجنة، لكن الخطاب كان هو المشكلة، إذ خلا من أي معايير فنية واضحة، ولم يقدم أسباباً نقدية حقيقية، ما يفتح باب التساؤل: كيف وصلت هذه الأعمال إلى القائمة القصيرة إذا كانت تفتقر، في نظر اللجنة، إلى الأساسيات؟

الكاتب أحمد السعيد ذهب خطوة أبعد، معتبراً ما جرى أسلوباً مهيناً لكل المتقدمين، لا يليق بجائزة تُطرح على منصات ثقافية دولية. أعلن مقاطعته للجائزة، إلى أن يصدر اعتذار صريح عمّا وصفه باتهام الكتّاب بالجهل والفشل.

زوزو عبد الستار

ثم جاء الصوت الأكثر إرباكاً للمشهد: من داخل اللجنة نفسها. إحدى أعضاء لجنة التحكيم، خرجت لتقول إن كلمة جرجس شكري في الحفل كانت ارتجالية، وغير متفق عليها، وغير موفقة بالمرة. تحدثت عن تناقض شديد في الخطاب، وعن شعور شخصي بالخجل من تلك الكلمة التي وصفتها بالمهينة. وكشفت أنها كانت قد عارضت من الأساس إلقاءه الكلمة على المسرح، لأنه ليس رئيساً للجنة.

وهكذا، تحولت ليلة إعلان النتائج إلى قصة مفتوحة على أسئلة أكبر من جائزة محجوبة:
أين ينتهي حق التحكيم ويبدأ واجب الاحترام؟
متى يكون النقد ضرورياً، ومتى يتحول إلى وصاية؟
وهل يمكن للجنة أن تحجب جائزة دون أن تحجب معها الثقة؟

في تلك الليلة، صمتت الجائزة، لكن الخطاب تكلم كثيراً.. وربما أكثر مما ينبغي.