النهار
جريدة النهار المصرية

عربي ودولي

كاراكاس تحت النار: كيف أصبحت فنزويلا عقدة النفوذ في النظام الدولي الجديد؟

كاراكاس تحت النار
أمل الصنافيري -

هيمنت الضربة الأمريكية على العاصمة الفنزويلية كاراكاس واعتقال الرئيس نيكولاس مادورو وزوجته وترحيلهما جوا على عناوين الصحف العالمية الصادرة اليوم، في تطور خطير أثار ردود فعل دولية واسعة.

وُصفت الضربات التي شُنّت على فنزويلا بأنها أعنف تدخل عسكري أجنبي في عهد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بعد وقوع انفجارات عنيفة في العاصمة فجر السبت، يتزامن مع تحليق طائرات على ارتفاع منخفض، الأمر الذي دفع الحكومة الفنزويلية إلى اتهام الولايات المتحدة بشن عدوان عسكري استهدف مناطق مدنية وعسكرية في عدة ولايات.

في ظل تصاعد التنافس بين القوى العظمى وإعادة تشكيل موازين القوة في النظام الدولي، برزت فنزويلا بوصفها إحدى أهم ساحات الصراع الجيوسياسي في نصف الكرة الغربي.

فلم تعد الأزمة الفنزويلية شأنًا داخليًا أو إقليميًا فحسب، بل تحوّلت إلى عقدة استراتيجية تتقاطع عندها اعتبارات أمن الطاقة، والهيمنة الإقليمية، وصراع النفوذ بين الولايات المتحدة من جهة، وخصومها الدوليين من جهة أخرى.

وفي هذا السياق، تسعى واشنطن إلى منع تحوّل فنزويلا إلى منصة نفوذ متقدم لقوى منافسة مثل روسيا والصين وإيران، لما يمثله ذلك من تهديد مباشر لأمنها القومي ولمكانتها في نصف الكرة الغربي. وفي المقابل، ورغم الخطابات الداعمة الصادرة عن هذه القوى الثلاث، يثور تساؤل جوهري حول حدود هذا الدعم وطبيعته؛ لماذا يبدو الموقف الروسي والصيني والإيراني أقرب إلى الدعم السياسي والدبلوماسي منه إلى التدخل العملي؟ وهل يمكن أن يتطور هذا الموقف في حال اندلاع مواجهة عسكرية مفتوحة؟

أهمية فنزويلا في الاستراتيجية الأمريكية

يمكن فهم دوافع التصعيد الأمريكي تجاه فنزويلا على النحو التالي:

أولاً، أمن الطاقة والمصالح النفطية: تمثل الموارد النفطية الكامنة في الأراضي الفنزويلية إحدى العوامل الرئيسية التي تفسّر حجم الاهتمام الأمريكي والدولي بفنزويلا؛ إذ تمتلك البلاد احتياطيًا نفطيًا مُؤكَّدًا يُقدَّر بنحو 300 مليار برميل، وهو ما يجعلها صاحبة أكبر احتياطي نفطي في العالم.

وتكتسب هذه الأرقام دلالتها الاستراتيجية عند مقارنتها باحتياطيات الولايات المتحدة التي تُقدَّر بنحو 145 مليار برميل، والمملكة العربية السعودية بحوالي 270 مليار برميل، وروسيا بنحو 80 مليار برميل.

وإلى جانب ذلك، تتمتع فنزويلا بميزة جغرافية مهمة؛ فهي أقرب إلى الولايات المتحدة مقارنة بمناطق الإنتاج الرئيسية في الشرق الأوسط، فضلًا عن وجود مصافٍ نفطية داخل الولايات المتحدة مهيأة خصيصًا لمعالجة النفط الفنزويلي الثقيل.

ثانيًا، فنزويلا كجزء من الأمن القومي الأمريكي

تندرج فنزويلا، وفقًا لعقيدة مونرو، ضمن المجال الحيوي للولايات المتحدة، الأمر الذي يجعل أي تدخل أو نفوذ خارجي في هذا النطاق يُنظر إليه باعتباره تهديدًا مباشرًا للمصالح والنفوذ الأمريكيين.

وفي هذا الإطار، أثار التمدد الاقتصادي الصيني داخل فنزويلا قلق واشنطن، إذ لعبت بكين دورًا محوريًا في تمويل وتطوير البنية التحتية في عدد من الدول الخاضعة لضغوط أمريكية، وعلى رأسها فنزويلا، ما أسهم في تعميق حضورها الاقتصادي والاستراتيجي هناك.

ولا تقتصر دلالة هذا التمدد على التعاون الاقتصادي فحسب، بل تتجلى أيضًا في تصدّر فنزويلا دول أمريكا اللاتينية من حيث حجم القروض الصينية، وهو ما يعكس مكانتها الخاصة في الاستراتيجية الصينية تجاه المنطقة.

وعلى الجانب الآخر، تسعى روسيا بدورها إلى تعزيز نفوذها في أمريكا اللاتينية باعتباره مكسبًا استراتيجيًا لموسكو، لما يمثله من تحدٍّ مباشر للهيمنة الأمريكية في الإقليم.

وعليه، لا تنحصر أهمية فنزويلا بالنسبة للولايات المتحدة في امتلاكها موارد نفطية ضخمة فحسب، بل تمتد إلى التخوف من تحوّلها إلى ساحة نفوذ صيني-روسي متقدم، بما يشكّل تهديدًا مباشرًا للهيمنة الأمريكية وعقيدة مونرو.

ثالثًا الترابط الإقليمي في الاستراتيجية الأمريكية

لا تقتصر أهمية فنزويلا بالنسبة لواشنطن على كونها حالة منفردة، بل تندرج ضمن ما يُعرف بـ مثلث الرعب الذي يضم فنزويلا وكوبا ونيكاراغوا.

ووفقًا لعدد من المحللين، لا تنبع أهمية فنزويلا فقط من السعي لإسقاط نظام نيكولاس مادورو، وإنما أيضًا من دورها المحوري في التأثير على استقرار النظام الكوبي.

إذ لا ينظر البيت الأبيض إلى فنزويلا وكوبا باعتبارهما مصدر تهديد أيديولوجي مشترك فقط، وإنما أيضًا كأدوات استراتيجية ضمن مقاربة جيوسياسية أوسع تستهدف الحد من النفوذ الصيني في المنطقة.

وفي هذا السياق، تعتمد هافانا بدرجة كبيرة على فنزويلا في تأمين احتياجاتها من الطاقة، حيث جاءت نحو 60% من إجمالي واردات كوبا من الوقود والنفط الخام خلال الأشهر العشرة الأولى من عام 2025 من فنزويلا.

وعليه، فإن أي عملية ناجحة لتغيير النظام في فنزويلا من شأنها أن تُلحق ضررًا بالغًا بالاقتصاد الكوبي الهش أصلًا.

حسابات حلفاء كاراكاس

تمثل القوى الداعمة لفنزويلا كلًّا من الصين وروسيا وإيران على الساحة الدولية، وهي دول تمتلك مستويات متفاوتة من النفوذ السياسي والاقتصادي داخل فنزويلا، تتصدرها الصين بوصفها الشريك الأهم والأكثر حضورًا.

وتمثّل هذه القوى في مجملها الخصوم الدوليين الرئيسيين للولايات المتحدة، الأمر الذي يجعل وجودها داخل ما يُعرف بـ الفناء الخلفي لواشنطن مصدر قلق مباشر للأمن القومي الأمريكي.

غير أن التطورات الأخيرة كشفت عن تحوّل في طبيعة ومدى انخراط هذه القوى في مسار التصعيد، بما يعكس تعاملها مع فنزويلا كورقة تفاوض ضمن لعبة القوى الكبرى على المستوى الدولي.

الموقف الروسي

يرتكز الموقف الروسي على قاعدة صلبة من العلاقات التاريخية، تُوّجت بشراكة استراتيجية ممتدة لعشر سنوات تهدف إلى كسر العزلة الدولية المفروضة على فنزويلا ومواجهة العقوبات الغربية.

وعلى الرغم من أن موسكو تُعد المورّد الرئيسي للسلاح والدعم الفني للجيش الفنزويلي، مستندة إلى إرث طويل من التعاون العسكري يعود إلى الحقبة السوفيتية، فإن طبيعة هذا الدعم لم تتجاوز الإطار الخطابي والدبلوماسي على المستوى الاستراتيجي.

ويُفسَّر هذا التحفّظ في ضوء انخراط روسيا العميق في الحرب الأوكرانية، وما يترتب عليه من استنزاف سياسي وعسكري واقتصادي، يحدّ من قدرتها على فتح جبهات توتر جديدة حتى في مناطق تمتلك فيها نفوذًا تقليديًا.

وفي هذا السياق، عبّر عدد من المسؤولين الأمريكيين عن عدم القلق إزاء الموقف الروسي، قائلين إنه ليس في وضع يسمح له بتصعيد حقيقي في فنزويلا.

الموقف الصيني

يُنظر إليه من منظور جيوسياسي بالدرجة الأولى، وليس اقتصاديًا فقط.

ترى بكين أن أي تصعيد أمريكي في فنزويلا أو كوبا يصبّ في مصلحتها، إذ إن التركيز على منطقة أمريكا اللاتينية يربك واشنطن ويجبرها على تشتيت الانتباه عن أولوياتها الاستراتيجية في منطقة المحيطين الهندي والهادئ.

ومع ذلك، تظل فنزويلا من منظور بكين غير ذات قيمة اقتصادية أو جيوسياسية كافية تجعلها تكرّس موارد للتدخل المباشر أو التصعيد في هذا الملف، ما يجعل النهج الصيني محدودًا ودبلوماسيًا في الغالب.

الموقف الإيراني

يرتبط برؤية استراتيجية أوسع تقوم على توسيع ساحات الضغط على الولايات المتحدة خارج نطاق الشرق الأوسط. وفي هذا الإطار، تعتمد إيران على الأدوات العسكرية نفسها التي تستخدمها في الشرق الأوسط، وخاصة الطائرات المسيّرة والصواريخ، في محاولة لخلق نقاط تهديد متزامنة للمصالح الأمريكية.

وفي المقابل، حرصت طهران وكاراكاس على إظهار هذا التعاون باعتباره دعمًا شاملًا في مواجهة ما تصفانه بـ العدوان الأمريكي، رغم أن هذا الدعم يظل محدود التأثير على ميزان القوى الفعلي.

وفي النهاية تكمن أهمية فنزويلا في صراع القوى العظمى في كونها تجمع بين الثروة النفطية الضخمة والموقع الإقليمي الحساس داخل المجال الحيوي للولايات المتحدة.

وتُعد محورًا أساسيًا في مساعي واشنطن للحفاظ على هيمنتها في نصف الكرة الغربي، وفي الوقت ذاته نقطة اختراق محتملة لنفوذ قوى منافسة مثل روسيا والصين وإيران، ما يثير مخاوف تتعلق بالأمن القومي الأمريكي.

ورغم الخطابات الداعمة الصادرة عن هذه القوى، يبدو أن احتمالات اندلاع مواجهة مفتوحة حول فنزويلا تظل محدودة؛ إذ يُرجَّح أن يظل سقف الدعم الخارجي محصورًا في الدعم السياسي والدبلوماسي، أو في أشكال غير مباشرة، دون الانزلاق إلى تدخل عسكري مباشر، مما يجعل فنزويلا أقرب إلى ورقة تفاوض في لعبة القوى العظمى لتحقيق مكاسب استراتيجية أوسع.