”مجلس هرر”.. حين وُضِعت الصومال وإثيوبيا على طاولة الوطن البديل قبل قيام إسرائيل
يتداول رواد مواقع التواصل الاجتماعي خلال الفترة الأخيرة وثائق يُقال إنها تكشف عن مشروع قديم يعود إلى نحو ثمانية عقود، يتصل بفكرة إنشاء وطن بديل لليهود في القرن الإفريقي، وتحديدًا في إثيوبيا والصومال، في ما يُعرف باسم مشروع «مجلس هرر». ووفق ما تطرحه هذه الوثائق، فإن الفكرة لم تكن وليدة اللحظة، بل نشأت في سياق الهيمنة البريطانية على أجزاء واسعة من إفريقيا خلال الحرب العالمية الثانية.

تشير الوثائق المتداولة إلى أن المقترح الأصلي كان يقوم على توطين يهود أوروبا في منطقة هرر الإثيوبية، باعتبارها نواة جغرافية صالحة لإقامة كيان ذي حكم ذاتي. وعلى الرغم من ضيق المساحة، فقد جرى – بحسب ما ورد – تصور إمكانية التوسع لاحقًا عبر ضم أجزاء من الصومال البريطاني المجاور، وهو ما أدى إلى ظهور مصطلح «أرض الصومال» في سياق سياسي مختلف عن استخدامه الجغرافي التقليدي، باعتباره امتدادًا محتملاً لذلك المشروع.
ورغم الانتشار الواسع لهذه الوثائق، فإن صحتها الكاملة لا تزال محل نقاش، إذ لا يمكن الجزم بها بشكل قاطع. غير أن مضمونها ينسجم إلى حدٍّ كبير مع المناخ التاريخي والسياسي السائد آنذاك، حيث كانت القوى الاستعمارية تبحث عن حلول لمعضلة اللاجئين اليهود في أوروبا، بالتوازي مع إعادة رسم خرائط النفوذ في إفريقيا.

ويُذكر في هذا السياق أن «مجلس هرر» كان منظمة أسسها ناشطون يهود في الولايات المتحدة خلال الحرب العالمية الثانية، وطرحت فكرة إنشاء مقاطعة يهودية ذاتية الحكم في منطقة هرر، تضم أجزاء من شرق إثيوبيا إلى جانب مناطق من الصومال البريطاني. وقد قُدّم المشروع حينها بوصفه ملاذًا لليهود الأوروبيين الناجين من المحرقة، وبديلاً عن الخيارات الأخرى المطروحة في تلك الفترة.
وتتضمن الوثائق المتداولة وصفًا تفصيليًا للمنطقة المقترحة، حيث قُدّرت مساحتها بما بين 60 و70 ألف ميل مربع، واعتُبرت قليلة السكان نسبيًا، مع افتراض أن سكانها الزراعيين لن يشكلوا عائقًا كبيرًا. كما جرى التأكيد على ضرورة الاستفادة من تجربة فلسطين، عبر منع تدفق سكان جدد من مناطق أخرى، والحيلولة دون دخول ما سُمّي بـ«المحرّضين الأجانب». أما مناخ الهضبة فاعتُبر صحيًا ومناسبًا للأوروبيين، مع إمكانية تحسين المناطق الساحلية الصومالية عبر مشاريع ري تجعلها قابلة لاستقبال هجرات جماعية.

وفي يوليو 1939، تظهر معطيات عن طرح بريطاني لإمبراطور إثيوبيا يقضي بالتنازل له عن ميناء زيلع وأجزاء من الصومال البريطاني مقابل تنازلات سياسية لإيطاليا، ما يعزز – وفق الوثائق – فرضية إمكانية تخلي بريطانيا عن مساحات أوسع، بما في ذلك ميناء بربرة، لصالح كيان يهودي أوروبي ناشئ. كما استُحضر البعد الرمزي المتصل بالهوية الإمبراطورية الإثيوبية، التي تربط نسبها بالملك داود، ويحمل إمبراطورها لقب «أسد يهوذا».

وتتضمن الوثائق مراسلات رسمية تعود إلى يوليو 1944، تشير إلى مشروع لتوطين اللاجئين اليهود في ولاية هرر، وردّ الحكومة الإثيوبية عليه. ويظهر من هذه المراسلات أن الطلب المقدم كان واسع النطاق، إذ شمل فعليًا كامل الولاية، وهو ما قوبل برفض صريح من الجانب الإثيوبي.
ففي رسالة موجهة إلى ممثلي المجموعة اليهودية، أوضح الرد الإثيوبي أن الإمبراطور يتعاطف مع مأساة اللاجئين الأوروبيين، لكنه لا يستطيع القبول بتخصيص محافظة كاملة لمجموعة واحدة من اللاجئين، خاصة في ظل الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي تعانيها البلاد بعد سنوات من الاحتلال والدمار. وأكد الرد أن مثل هذا المشروع سيشكل عبئًا يهدد اقتصاد الإمبراطورية، ويحدّ من قدرتها على مساعدة مواطنيها وضحايا الحروب عمومًا، داعيًا إلى التخلي عن المقترح واسمه المؤقت.
تكشف هذه الوثائق، سواء ثبتت صحتها الكاملة أم لا، عن فصل شبه منسي من تاريخ المشاريع الاستعمارية والبدائل الجغرافية التي طُرحت قبل قيام دولة إسرائيل، وتعيد طرح سؤال قديم متجدد: كيف كانت تُرسم خرائط الأوطان على موائد القوى الكبرى، ومن كان يُستبعد دائمًا من حق تقرير مصيره؟





















