محمد اليمني: ليبيا على مفترق الطريق بين الانقسامات الداخلية والدور العربي الموحد

تشهد ليبيا منذ سنوات صراعًا معقدًا على السلطة بين مؤسسات الدولة، الميليشيات المحلية، وتدخلات القوى الإقليمية والدولية، ما جعل تحقيق الاستقرار السياسي والأمني تحديًا مستمرًا. ومع الحديث المتكرر عن الانتخابات البرلمانية والرئاسية، وعودة المبادرات الأممية والعربية لمحاولة توحيد الصف الليبي، يبرز سؤال جوهري: هل يمكن لمؤسسات الدولة والمجتمع المدني العمل معًا لضمان تنفيذ خارطة طريق واضحة تؤدي إلى استقرار دائم؟
وفي هذا السياق أكد خبير العلاقات الدولية الدكتور محمد اليمني، أن التطورات الأخيرة في ليبيا تحمل بعض الإشارات الإيجابية، وإن كانت محدودة، مستشهداً بتصريحات الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط حول خفض التصعيد واللجوء للحوار وتحمل المسؤولية الوطنية. وأوضح اليمني أن مفهوم "تحمل المسؤولية الوطنية" يعد من أهم المصطلحات المستقبلية لمعالجة الأزمة الليبية، ويشكل ركيزة أساسية لأي تقدم سياسي يضمن توحيد الصف الليبي في مواجهة التحديات الداخلية والخارجية.
وأشار إلى أن دعم أي مبادرة أممية تُقدَّم كخارطة طريق لتوحيد الليبيين يمثل خطوة مهمة، كما تطرق إلى أهمية وجود برنامج تنموي موحد بين مجلسي النواب والدولة، معتبرًا أن هذا التطور قد يعطي مؤشرًا إيجابيًا نحو الاستقرار، رغم محدودية تأثيره الفعلي حتى الآن.
ضعف الجامعة العربية وأهمية الدول الإقليمية الفاعلة
وصف اليمني دور الجامعة العربية في الفترات الماضية بالضعيف، خصوصًا في معالجة الملفات الإقليمية الكبرى مثل القضية الفلسطينية والعدوان على قطاع غزة، حيث اقتصرت التحركات على استنكارات وتصريحات محدودة. لكنه أشاد بالدول الإقليمية مثل تركيا ومصر والجزائر وتونس، التي قدمت دعمًا ملموسًا لاستقرار ليبيا، مؤكدًا أن هذه الدول يمكن أن تشكّل نموذجًا إيجابيًا إذا تم توحيد الجهود العربية.
وشدد اليمني على أن وجود مظلة عربية موحدة سيكون له أثر إيجابي كبير، باعتباره رسالة قوية إلى الغرب والأمم المتحدة والولايات المتحدة بأن العرب يمتلكون القرار السياسي وقادرون على دعم الحلول الداخلية في ليبيا، مشيرًا إلى ضرورة تطبيق هذه المظلة على أرض الواقع مع وجود إرادة حقيقية من الداخل الليبي ،حيث أن أي حل سياسي يجب أن يضمن مشاركة فعالة للشعب الليبي في الانتخابات القادمة، مما يعزز الثقة العربية والدولية في العملية السياسية.
كما أكد اليمني أن "الكلمة الموحدة للجامعة العربية والدول العربية" تعد مفتاحًا رئيسيًا لاستقرار ليبيا وتمثل رسالة قوية للأطراف الخارجية، مؤكدًا أن القيادة المصرية ترى استقرار ليبيا مرتبطًا باستقرار القوات المسلحة وتفكيك الميليشيات، بينما يواجه هذا الدور تحديات من تدخلات تركيا وروسيا ومصالحها في الداخل الليبي. وشدد على أن التنسيق بين الجامعة العربية والأمم المتحدة والأطراف الليبية ضروري لضمان نجاح العملية السياسية، وتقليل التدخلات الخارجية، وتمكين الشعب الليبي من ممارسة حقه في اتخاذ القرار.
الانقسام السياسي والأمني وتأثيره على الاستقرار
تطرق اليمني إلى الانقسام السياسي والأمني في البلاد، مؤكدًا أن شرق وجنوب ليبيا يشهدان استقرارًا نسبيًا بفضل دور الجيش الوطني والمشير خليفة حفتر، بينما لا تزال مناطق الغرب غير آمنة. وأوضح أن "كلمة الليبيين" تظل جوهرية، وأن استقرار الشرق يمكن أن يكون نموذجًا لتعميم الأمن والاستقرار على بقية المناطق، مع ضرورة إدماج الميليشيات في الجيش الليبي لضمان وحدة المؤسسة العسكرية وتحقيق استقرار شامل.
وأشار اليمني إلى أن الدول الغربية التي تدخلت في ليبيا منذ 2011 فشلت في تحقيق الاستقرار، وأدت إلى تراجع المستوى المعيشي للمواطن الليبي، مؤكدًا تأثير ذلك على الرواتب وفرص العمل والخدمات الأساسية، وأن المواطن يسعى للحصول على حياة كريمة وأمن واستقرار، وهو ما يجب أن يكون محور أي خطة إصلاحية.
الانتخابات ومطلب الشعب الليبي
أكد اليمني أن الانتخابات الرئاسية والبرلمانية تمثل مطلبًا شعبيًا كبيرًا، وأن الفشل في تنفيذها منذ آخر تدخل أممي في 2021 أدى إلى تأجيل العملية السياسية لأكثر من خمس سنوات، مما يهدد مستقبل العديد من الشخصيات في الداخل الليبي. وأوضح أن الانتخابات تمثل أداة حاسمة لمنح الشعب الليبي حقه في القرار وضمان شرعية المؤسسات السياسية، مشددًا على ضرورة أن تكون أي عملية انتخابية مدعومة بتطبيق فعلي للمبادرات العربية والأممية.
حكومة الدبيبة والمبادرات السياسية في الغرب
وأشار اليمني إلى حكومة الدبيبة قائلاً: "يوجد حل للأزمة الليبية في غرب البلاد على حساب المنافس أو الجانب الآخر في الحكومة، ولكنه يضمن له مصالحه السياسية أو الأمنية، وبالتالي قد يوافقون على هذا الحل ويبحثون عن تقسيم الكعكة كما ذكرت سابقًا".
واختتم الدكتور اليمني تصريحاته مؤكداً أن نجاح الانتخابات الليبية يعتمد على تطبيق المبادرات العربية والأممية على أرض الواقع، مع مراعاة الظروف الأمنية والسياسية المتشابكة داخل البلاد، داعياً إلى تركيز الجهود على الداخل الليبي دون التدخلات الخارجية المعقدة، ومشدداً على أن الشعب الليبي هو المحرك الرئيسي لأي عملية سياسية ناجحة، وأن أي تقدم حقيقي يتطلب إرادة عربية موحدة ودور فاعل للدول الإقليمية الداعمة.

