استقالة مدير مكتب زيلينسكي تهز كييف وسط مفاوضات السلام

قال أندريه يرماك، مدير مكتب الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، وأحد أعمدة السلطة في كييف، إنه سيتوجه إلى خطوط القتال بعد ساعات قليلة من إعلانه الاستقالة، في خطوة فاجأت الأوساط السياسية، وأشبه برسالة تحدٍّ وسط واحدة من أكبر الأزمات السياسية التي تواجه الإدارة الأوكرانية منذ بدء الحرب. وجاء إعلان يرماك عقب مداهمة نفذها المكتب الوطني لمكافحة الفساد لمنزله ضمن واحدة من أكبر التحقيقات في البلاد.
وأكد يرماك في رسالة نصية لصحيفة "ذا بوست" مساء الجمعة: "أنا ذاهب إلى الجبهة ومستعد لأي تبعات. أنا شخص نزيه ومحترم وأضاف: "لقد خدمت أوكرانيا وكنت في كييف في 24 فبراير 2022. ربما نلتقي مجددًا. المجد لأوكرانيا."
كما أوضح أنه فضّل الاستقالة والابتعاد حتى لا يسبب أي مشاكل للرئيس زيلينسكي، مؤكدًا أنه تعرض لحملة تشويه طالت سمعته وكرامته رغم وجوده في قلب المواجهة مع روسيا منذ اليوم الأول للحرب. وأضاف: "أشعر بالاشمئزاز من الافتراءات ضدي، ومن غياب الدعم ممن يعرفون الحقيقة."
وجاءت استقالته بعد يوم مضطرب، إذ كان يرماك يقود وفد كييف المفاوض الخاص بخطة السلام الأوكرانية قبل اقتحام منزله قبيل اجتماع مهم مع الفريق الأميركي المكلف بمحادثات إنهاء الحرب. فكان من المقرر أن يشارك في هذا الاجتماع الحاسم قبل أن يعلن استقالته بشكل مفاجئ
تصاعد سياسي… وردود داخلية وخارجية
وتعليقًا على استقالته، أكد نائب برلماني في حزب الرئيس أن الخطوة كانت ضرورية، لأن بقاء يرماك في منصبه كان يشكّل خطرًا محتملًا في وقت حساس تخوض فيه البلاد مفاوضات معقدة، مضيفًا أن وجود أي شبهة فساد على مسؤول بهذا المستوى قد يهدد الثقة بين كييف وحلفائها.
في المقابل، تناولت صحيفة واشنطن بوست الأزمة من زاوية مختلفة، معتبرًا أن قرار الاستقالة — رغم خلفياته — يعكس تأكيدًا على نضج ديمقراطي داخل مؤسسات الدولة الأوكرانية والتزامًا واضحًا بالمساءلة حتى في زمن الحرب، في إشارة إلى أن كييف تحاول تأكيد انضباطها السياسي أمام حلفائها الغربيين.
اضطراب في فريق التفاوض الأوكراني
تزامنت الاستقالة مع تغييرات أجراها زيلينسكي على فريق التفاوض، في وقت تستعد فيه كييف لإيفاد وفد رسمي إلى الولايات المتحدة هذا الأسبوع للقاء المبعوث الرئاسي الأميركي ستيف ويتكوف وصهر الرئيس الأميركي جاريد كوشنر، لاستكمال النقاشات حول خطة السلام المثيرة للجدل.
ولا يزال ضمن الفريق روستيم أو ميروف، أمين مجلس الأمن القومي والدفاع، والذي بحسب -مسؤولين أميركيين- أقنع فريق التفاوض الأميركي بأن أوكرانيا مستعدة للقبول بخطة سلام من 28 بنداً كانت تميل إلى صالح روسيا، قبل أن يعلن زيلينسكي رفضها لاحقًا، ما أثار توترًا دبلوماسيًا ملحوظًا.
عملية "ميداس"… خلفية الأزمة
وتأتي مداهمة منزل يرماك ضمن تحقيق استمر 15 شهرًا ضمن قضية فساد واسعة عُرفت باسم "عملية ميداس"، كشفت عن مخطط لابتزاز مقاولين تابعين لشركة "إنيرغوأتوم" الحكومية للطاقة النووية مقابل نسب تتراوح بين 10 و15%، لمنع وضعهم على القائمة السوداء. وتقول التحقيقات إن المتورطين استولوا على نحو 100 مليون دولار.
وقالت السفيرة الأوكرانية لدى الولايات المتحدة، أولغا ستيفانيشينا، إن عمليات تفتيش جرت بالفعل في منزل يرماك لكنها لم تتبعها أي إجراءات قانونية، معتبرة أن يرماك قدم استقالته لوقف التكهنات والجدل المتصاعد ومواجهة الحملة الإعلامية المصاحبة للتحقيق.
تداعيات سياسية مفتوحة
تثير هذه التطورات مخاوف من اهتزاز الدائرة المقربة من زيلينسكي في وقت حساس تخوض فيه كييف واحدة من أعقد مراحل الحرب مع روسيا، بينما تتزايد الضغوط الأميركية لدفع أوكرانيا نحو مسار تفاوضي واضح. كما أن توقيت المداهمة، قبل لقاء أميركي مهم، يفتح الباب أمام تساؤلات حول تأثير هذه القضية على الاتصالات الجارية بشأن خطة السلام.
ويرى مراقبون أن خروج شخصية بحجم يرماك الذي لعب دورًا محوريًا في التواصل مع الحلفاء الغربيين وفي صياغة رؤية أوكرانيا للمفاوضات، قد يعيد رسم خريطة مراكز القوى داخل مؤسسة الرئاسة، ويضع زيلينسكي أمام تحديات داخلية غير مسبوقة منذ بداية الحرب.

