العوامل التي دفعت حماس للموافقة على الخطة الأمريكية وتداعياتها على إسرائيل.. كواليس مهمة

نشرت صحيفة «يديعوت احرونوت» العبرية مقالة للكاتب رون بن يشاي بعنوان «التفاهمات السرية التي دفعت حماس للموافقة على الخطة الأمريكية وتداعياتها على إسرائيل»، موضحاً أنه بحسب الأجهزة الأمنية في إسرائيل، وافقت حماس على خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لأنها حصلت تحت الطاولة على ضمانات تبقيها موجودة ومسلّحة بشكل ما في غزة بعد صفقة المخطوفين، بحسب ترجمة الدكتور محمد وازن، خبير الشئون الإسرائيلية والدراسات الاستراتيجية.
وذكرت المقالة أن الخطة الأمريكية تقسم القطاع إلى منطقة حمراء تحت حماس ومنطقة خضراء تحت سيطرة إسرائيل، مع محاولة جذب السكان بعيدًا عن حما س، والكاتب يحذّر من نموذج شبيه بحزب الله في لبنان، موضحة أن الوسطاء «تركيا، قطر، مصر»– وباسم أمريكا – قدّموا عرضًا للحركة أن تطلق حماس سراح كل المخطوفين خلال 72 ساعة، وتوافق على مناقشة خطة النقاط العشرين لترامب، في المقابل لا تُجبَر حماس ولا عناصرها ولا الجهاد الإسلامي «جهاد» على الخروج من غزة، ويُسمح لهم بالبقاء كمواطنين عاديين داخل القطاع، يعني الحركة تتنازل شكليًّا عن الحكم لكنها تبقى قوة خلف الكواليس تمسك بالميدان وتؤثّر في أي إدارة مدنية فلسطينية جديدة.
ونوه المقال المنشور، إلى أن الخطة تتحدث عن قوة استقرار دولية ISF تشارك في نزع سلاح"حماس والجهاد الإسلامي، لكن نزع السلاح لن يكون بالقوة بل يالتفاهم بين الحركة والوسطاء، وقوة ISF لن تستخدم القوة بل تعمل فقط بالشروط المتفق عليها مسبقًا مع الحركة، بحسب المقالة، وعمليًا يمكن تسليم السلاح الهجوم فقط «صواريخ، طائرات مسيّرة، طائرات شراعية، عبوات قصّ الجدار» مع الاحتفاظ بالسلاح الدفاعي «بنادق، رشاشات، RPG، عبوات مختلفة»، فتظل الحركة والجهاد الإسلامي قادرَين على إدارة حرب عصابات تحت عنوان «المقاومة الاحتلال والدفاع عن النفس من وجهة نظرهما.
أما بالنسبة لضمانة ترامب والاختراق في ملف المخطوفين، ذكرت المقالة أنه بعد التفاهمات مع الوسطاء، حماس طلبت ضمانة مباشرة من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بأن أمريكا وإسرائيل ستحترمان هذه الوعود. تمّ لقاء بوساطة قطرية بين المبعوث الرئاسي ستيف ويتكوف وصهر ترامب جاريد كوشنر وقيادي حماس خليل الحية، وأبلغ ويتكوف الحية أن ترامب مطّلع وملتزم بخطة النقاط العشرين وبالوعود غير المكتوبة التي قدّمها الوسطاء لحماس، الكاتب يقول إن هذه اللحظة هي التي صنعت الاختراق في ملف المخطوفين.
وذكر الكاتب في المقالة، أن حماس خرجت بوضع يمكّنها من البقاء لاعبًا سياسيًا وعسكريًا مركزيًا في القطاع: تتنازل رسميًّا عن الحكومة لكنها تبقى صاحبة نفوذ على الأرض وعلى الإدارة المدنية، تحتفظ بسلاح كافٍ لحرب عصابات، وتموّل نحو 20–25 ألف مسلح من جزء من المساعدات الإنسانية، وتستفيد من نزع سلاح مخفّف يسمح بإعادة بناء الأنفاق وورش تصنيع السلاح. في المقابل تستطيع الحكومة الإسرائيلية القول إنها حققت تقريبًا هدف إعادة أغلب المخطوفين الأحياء والجثامين بفضل ضغط ترامب، لكنها قد تكون خسرت الهدف الأخطر: إسقاط حكم الحركة المدني والعسكري، وطالما حماس قادرة على إعادة بناء قدراتها فسيناريو 7 أكتوبر يمكن أن يتكرر.
وأشار الكاتب بوضوح إلى أنه لا يوجد أي جدول زمني واضح، لا للأشهر القريبة ولا حتى للسنة القادمة، لعملية نزع سلاح حماس أو تجريد غزة من البنية التحتية القتالية؛ لا في الكلام السياسي ولا في خطط المقرّ الأمريكي في كريات جات (CMCC). غياب الـ"تايم لاين" هنا ليس تفصيلة إدارية بل إشارة إلى أن تفكيك قوة حماس مؤجَّل عمليًا إلى أجل غير مسمّى بينما تستمر الحركة في التقاط أنفاسها وإعادة تنظيم صفوفها.
وبالنسبة للتقسيم الميداني: "منطقة حمراء" و"منطقة خضراء"
بحسب ما يجري في "المقر الأمريكي في كريات جات": المنطقة الحمراء تحت سيطرة حماس غرب "الخط الأصفر" وتضم حوالي 2 مليون نسمة (نحو 43% من مساحة القطاع)، والمنطقة الخضراء تحت سيطرة الجيش الإسرائيلي شرقًا وشمالًا وجنوبًا للخط الأصفر ويقيم فيها 200–300 ألف من سكان غزة. القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم) تركز الآن على إدخال مساعدات إنسانية كثيفة إلى المنطقة الحمراء – مع علم كامل أن الحركة تستولي على جزء كبير منها – وعلى مراقبة جوية استخبارية لما يحدث على الأرض، وفي المقابل هناك سياسة متعمّدة في المنطقة الحمراء: لا إزالة أنقاض، لا إعادة إعمار حقيقية، لا ترميم جدي للبنى التحتية، ولا أي خطوة عملية لنزع السلاح أو تفكيك قدرات حماس العسكرية، بحسب ترجمة الدكتور محمد وازن.
وأشارت المقالة إلى أنه في المقر الأمريكي في كريات جات يجري تخطيط مدني حثيث منذ أسابيع لإقامة "مجتمعات مؤقتة" في المنطقة الخضراء: أحياء وأكواخ وخيام لسكان فقدوا منازلهم يُتوقّع أن يتدفّقوا إليها من كل القطاع، خاصة من المنطقة الحمراء. في هذه المجتمعات يتوفر مساعدات إنسانية (غذاء، ماء، كهرباء) وخدمات صحية وتعليمية واجتماعية وأمن شخصي وفرص عمل، مقابل غياب هذه العناصر في المنطقة الحمراء. لاحقًا تتحدث الخطة عن إقامة مدينة جديدة على أنقاض رفح ومدن وبلدات وقرى جديدة حول خان يونس، بتمويل من دول خليجية ثرية وتنفيذ أساسًا عبر مصر، بتكلفة عشرات المليارات، تبدأ كمجتمعات مؤقتة تتحوّل تدريجيًا إلى مدن وبلدات حقيقية بعد إزالة الأنقاض.
وأشارت إلى أن الفكرة الجوهرية لدى الأمريكيين هي تحسين ظروف المعيشة والسكن وفرص العمل في المنطقة الخضراء مع استغلال قسوة الشتاء، بهدف دفع ما لا يقل عن 1.5 مليون من سكان غزة إلى ترك المنطقة الحمراء والانتقال بأعداد ضخمة إلى المجتمعات في المنطقة الخضراء. النتيجة المتوقعة في الخطة أن يبقى نشطاء حماس مع عدد أقل من السكان بين الأنقاض والأنفاق، فيواجهون معضلة: إما التمسك بالسلاح والحياة في الدمار واحتمال هجوم واسع من الجيش، أو تسليم السلاح طوعًا والعيش كمواطنين عاديين في ظروف أفضل.
وأكدت أنه عندما تُقام قوة ISF وتعمل، ترسم لها الخطة دورًا تفصيليًا: في المرحلة الأولى تكون "قوة عازلة" تمنع الاحتكاك بين حماس/الجهاد وبين الجيش على طول الخط الأصفر، ثم تدخل أي منطقة ينسحب منها الجيش وتعمل كقوة دعم ورقابة لقوة شرطة فلسطينية محلية. هذه الشرطة تتبع "لجنة تكنوقراط فلسطينية" تُشكَّل من سكان القطاع لإدارة الشؤون المدنية وفرض النظام، بينما تراقب ISF وتمنع الانفجار بين حم ــ1س والجيش. ومن المهام الحساسة المنسوبة لـ ISF مساعدة حم ــ1س على نزع سلاحها بلا إكراه ولا اشتباكات عنيفة وبالاستناد إلى التفاهمات مع الوسطاء؛ وهذا بالضبط ما يثير قلق الكاتب من نزع سلاح "ناعم" يترك بيد الحركة قدرة على إعادة بناء قوتها عند الحاجة.
ورأى أن هذه الهندسة الاجتماعية قد لا تنجح؛ فسكان غزة معروفون بعنادهم وتشبّثهم بأرضهم حتى لو عاشوا بين الأنقاض. وإذا ترسّخ وضع تسيطر فيه حماس على جزء كبير من القطاع وتبقى أكثرية السكان تحت نفوذها، فلا مفر – من وجهة نظره – أمام إسرائيل إلا أحد خيارين صعبين: أن يحتل الجيش الإسرائيلي المنطقة الحمراء ويقيم فيها إدارة عسكرية إسرائيلية مباشرة، أو إيجاد جهة فلسطينية تحكم مدنيًا في القطاع دون أن تكون خاضعة لحماس من وراء الستار، وهنا يقدّم السلطة الفلسطينية – رغم كل عيوبها – كـ"المرشح الأكثر منطقية" من منظور أمني إسرائيلي لتولّي الحكم في غزة.

