النهار
جريدة النهار المصرية

عربي ودولي

باحث: الإسرائيلي يعيش حالة قلق جماعي بعد حرب غزة بينما المصري في حالة وعي ويحافظ على قيم التضامن مع القضية الفلسطينية

إسلام أبو بكر
كريم عزيز -

كشف إسلام أبوبكر، الباحث المتخصص في شئون الشرق الأوسط، عن سيكولوجية الإسرائيلي والمصري ما بعد حرب غزة، موضحاً أنه في أعماق شوارع تل أبيب وميادين القاهرة، تتقاطع لحظات كاشفة و لحظات تعرية خوف وعي يحيط بالمصري وخلف يلف الإسرائيلي، وبعد عامين من الحرب في غزة، لم تعد الصدمات مجرد أرقام في التقارير، بل خطوط على وجوه الناس، ونبضات قلب تحاول أن تفهم العالم من حولها.

وذكر في تحليل له، أنه في هذا الفضاء، يظهر الإنسان في صورته الأكثر صدقًا: واحد يحارب القلق ليبقى على قيد الأمان، والآخر يصمد ليبقي معنى الإنسانية حيًا. هذه رحلة بين سيكولوجيات متباينة، تعكس كيف تتشكل المخاوف والوعي التاريخي بعد الحرب، وكيف يكتب كل شعب حكايته الخاصة في مواجهة الأزمات الكبرى

قوال: «في مقابل احتجاجات تقصف شوارع تل أبيب بهتافات استعادة الأسرى أو مهاجمة نتنياهو ، ميادين القاهرة تهتف بصمت، ووعي جماعي يقاوم، يحتضن القضية الفلسطينية ويثبت أن الإنسان قادر على الصمود. بين الخوف والإصرار، نكتشف سيكولوجية شعوب بعد الحرب، حيث تُقاس قوة الإنسان ليس بالسياسة أو الاقتصاد، بل بقدرته على مواجهة الصدمات والاحتفاظ بالهوية».

وأضاف أنه في هذا المشهد، يجد الإسرائيلي نفسه محاصرًا بين الخوف من الخارج والخلافات الداخلية. رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يواجه ضغوطًا غير مسبوقة: من الحريديم الذين يتهربون من الخدمة، ومن وزراء اليمين المتطرف بتسلئيل سموتريتش وزير الأمن الداخلي وإيتمار بن غفير وزير الشرطة، الذين يستثمرون في القلق الجماعي لتعزيز مواقعهم السياسية.

ونوه إلى أن لحظة 7 أكتوبر 2023 كانت كاشفة بكل ما للكلمة من معنى، ولحظة تعرية حقيقية كاشفة لمواقف الشعب الفلسطيني الذي نجح في تعظيم القضية ليس فقط عبر منصات التواصل الاجتماعي والتضامن الرمزي مع الشهداء وضحايا القصف، بل أيضًا عبر نقل الصورة الحية من الميدان بواسطة الصحفيين والمراسلين في غزة، مع تعرية لقبة حديدية مهترئة أظهرت عورات التماسك الداخلي الإسرائيلي المزعوم، حيث الصدمة العسكرية كشفت ضعف التنسيق، الضغط النفسي، والانقسامات الاجتماعية والسياسية العميقة.

وأكد أن الجيش الإسرائيلي ليس بمنأى عن هذه الضغوط. وفق تقرير The Washington Post (5 أكتوبر 2025)، أكثر من 11,000 جندي خضعوا أو سُجلوا في برامج الدعم النفسي بسبب اضطرابات ما بعد الصدمة (PTSD) منذ 7 أكتوبر 2023 وحتى خريف 2025. الانتحارات ارتفعت إلى مستوى قياسي يتراوح بين 30 و40 حالة مؤكدة، مقارنة بالمتوسط السنوي السابق البالغ 10–15 حالة. الجنود يعيشون صدمة مستمرة: المعارك في غزة، صدمات الأسرى والمجازر، وطول مدة الخدمة يخلق ضغطًا نفسيًا جماعيًا.

أرقام i24NEWS (9 نوفمبر 2025) تكشف أن الشرطة العسكرية نفّذت 1,232 اعتقالًا للمتهربين، أي أكثر من ضعف الهدف السنوي (500–600)، موزعة كالآتي: حتى يوليو 2025 تم تنفيذ 196 اعتقالًا، بين يوليو وما بعد الأعياد 471 اعتقالًا، والبقية موزعة على الفترات الأخرى. هذه الاعتقالات استهدفت بشكل خاص الحريديم (اليهود المتشددون): من بين 80,000 خريج من المؤسسات الدينية، صدرت 48,000 إشعار تهرب بموجب الأمر 12، مع توقع ارتفاع الأرقام في العام القادم.

في المقابل، شهد التجنيد الإيجابي للحريديم زيادة بنسبة 60٪ ليصل إلى نحو 2,900 مجند ضمن برنامج "البدء من جديد"، مع 110 أفراد إضافيين جذبهم البرنامج.

ونوه إلى أن الجانب الاقتصادي للحرب يضيف بعدًا آخر للضغط النفسي والاجتماعي. تقديرات وزارة المالية الإسرائيلية وصندوق النقد الدولي تشير إلى خسائر مباشرة وغير مباشرة تتراوح بين 55–70 مليار دولار منذ أكتوبر 2023، تشمل الدمار العسكري، توقف النمو، واستنزاف الاحتياطات. الاقتصاد هنا ليس مجرد أرقام: كل خسارة مالية تتفاعل مع الشعور بالضعف والخوف، وهو ما يجعل الأزمة اقتصادية–نفسية–اجتماعية في آن واحد.

الاستطلاعات الاجتماعية الدولية تعكس واقعًا أكثر عمقًا. استطلاع ADL–WUJS (Anti-Defamation League وWorld Union of Jewish Students، 2024–2025) كشف أن 78٪ من الطلاب اليهود في الجامعات الغربية يخافون من الإفصاح عن هويتهم الإسرائيلية، خشية الوصم أو المضايقات. هذه النتيجة تعكس تآكل الشرعية الرمزية لإسرائيل عالميًا، وتكشف كيف أن الخوف الداخلي يمتد إلى الخارج، ليخلق انقسامًا بين المواطنة والهوية الدينية. أما INSS، فقد أشار إلى أن 63٪ من الإسرائيليين فقدوا الثقة بالحكومة، و58٪ يخشون أن يؤدي تجنيد الحريديم إلى اضطرابات مدنية واسعة، ما يعكس القلق الجمعي – Collective Anxiety الذي أصبح يحدد المزاج النفسي والاجتماعي للبلاد.

وفي المقابل، يظهر الشعب المصري كمرآة مضادة. فبينما يعيش الإسرائيلي قلق البقاء والفقدان الرمزي، يواصل المصريون رفض التطبيع الشعبي والانغماس في القضية الفلسطينية، ما يعكس وعيًا جماعيًا مستقرًا – Resilient Collective Awareness، بحسب إسلام أبوبكر، موضحاً أن هذا الوعي ليس شعارات فقط، بل ممارسة يومية: متابعة التطورات، النقاشات العامة، التضامن الرمزي والعملي مع غزة، والحفاظ على ذاكرة تاريخية حية للقضية.

الجانب السياسي الإسرائيلي معقد للغاية. الحريديم يرفضون التجنيد، سموتريتش كوزير الأمن الداخلي وبن غفير كوزير الشرطة يضغطان لتطبيق برامج متشددة، ونتنياهو تحت الضغط القضائي والسياسي المستمر. هذه التوترات تترافق مع أزمات نفسية متزايدة لدى الجنود، كما أظهرت بيانات The Washington Post. الجيش الإسرائيلي اضطر لاستدعاء الاحتياط، توسيع مراكز الاحتجاز، وتوظيف محققين إضافيين لمراقبة التهرب. هذه الإجراءات ليست مجرد إدارة أزمة عسكرية، بل إدارة أزمة رمزية ونفسية واجتماعية.

وذكر أن النظرة العالمية لإسرائيل تغيرت أيضًا. تل أبيب لم تعد مكانًا آمنًا لليهود في الخارج، كما يوضح سلوك الطلاب اليهود في الجامعات الغربية وفق ADL–WUJS، وفي ضغط المجتمع الدولي على الحكومة الإسرائيلية. المجتمع الإسرائيلي يواجه اليوم ازدواجية مأساوية: داخلية مضطربة وقلق عالمي، وهو ما يعكس فشل الدولة في الحفاظ على صورة “الوطن الآمن”.

ونوه إلى أن الإسرائيلي يعيش حالة قلق جماعي تتجلى في الانقسامات السياسية، الضغط النفسي للجنود، وتراجع الشرعية الرمزية، بينما المصري يعيش حالة وعي جماعي مقاوم، يحافظ على قيم التضامن مع القضية الفلسطينية وذاكرة الصمود التاريخية. إنها ليست حربًا على حدود غزة فقط، بل صراع بين صورتين للإنسان: من يقاتل ليتشبث بالخوف، ومن يصمد ليبقى الإنسان في المعنى.

واختتم تحليله: «هذه التحولات ليست مجرد أرقام أو بيانات، بل انعكاس لسيكولوجية الشعبين بعد الحرب، حيث يُقاس النجاح ليس بالسياسة أو الاقتصاد وحدهما، بل بقدرة المجتمعات على إعادة إنتاج الوعي الرمزي، التعامل مع الصدمات، والحفاظ على الهوية في أوقات الأزمة».