”القضية الوطنية في مسلخ شريعتي”.. مركز نمروز للدراسات الإيرانية يهاجم الأيدولوجية الإسلامية لشريعتي!

أصدر مركز نمروز للدراسات الإيرانية بيان ينتقد فيه إقامة وتنظيم مؤتمر حول إطروحات على شريعتي، كونها تعبر عن نظرة كوزموبوليتية تختزل الثقافة والحضارة الإيرانية في رؤية قاصرة!
جاء البيان – ايضاً – متهماً شريعتي بأنه لم يفهم الأمة كونها حقيقة تاريخية ثقافية، بل اعتبرها أداة للتعبئة السياسية في خدمة مشروعه الخاص، حتى انه ضحى بمفهوم الأمة من أجل تحقيق مسعاه! في إقصاء وتجاهل تام لدعوات أحياء الثقافة الإيرانية.
وخُتم البيان بأستنكار حاد تجاه المؤتمر وموجهاً له بتوصيات قد لا تعبر بشكل كامل عن الإتجاة السائد في المجتمع الإيراني الحالي، بل معبرة عن تيار يحاول إحياء ثقافة ايران القديمة على حساب تيار أيدولوجي سلطوي حالي في إيران.
بيان مركز نمروز للدراسات الإيرانية في نقد ابتذال القضية الوطنية، الصادر عن منظمي مؤتمر "الشريعة والقضية الوطنية"
في وقتٍ أصبحت فيه قضية "القضية الوطنية" من أهم القضايا في حياتنا الفكرية والسياسية والحضارية، نحن الإيرانيين؛ وفي عصرٍ يتعرض فيه استقلال إيران وتماسكها التاريخي وهويتها الجماعية وبنيتها الثقافية لضغوط جيوسياسية هائلة وأزمات حضارية، أصبح الالتزام بفهمٍ جادٍّ وعميق لقضية القضية الوطنية أكثر ضرورةً أخلاقياً وتاريخياً وعقلانياً من أي وقت مضى. ولكن من المؤسف والمقلق أنه في هذه اللحظة الحرجة، قام عددٌ من القائمين على الثقافة والأكاديميين، من خلال عقد مؤتمرٍ بعنوان "الشريعة والقضية الوطنية"، بتنصيب أحد أكثر الشخصيات غموضاً ومعاداةً للوطنية وظلاميةً وأيديولوجيةً في القرن الماضي في إيران، مرجعاً للقضية الوطنية. هذا العمل ليس جهدًا نظريًا جادًا، بل هو دلالة واضحة على الابتذال المفاهيمي والتلاعب بالألفاظ التي تضرب بجذورها في دماء الأمة ومعاناتها.
لم يكن علي شريعتي منظّرًا للقضية الوطنية ولا معنيًا بها. طوال حياته الفكرية، لم يفهم "الأمة" على أنها "حقيقة تاريخية ثقافية"، بل أداة للتعبئة السياسية في خدمة مشروع الهوية الإيرانية الكوزموبوليتانية. ما كان "مقدسًا" بالنسبة له لم يكن إيران، بل هوية كوزموبوليتانية غير وطنية، حتى أنه ضحى بمفهوم "الأمة" من أجل تحقيقها. لم يكن شريعتي يسعى إلى إحياء الثقافة الإيرانية، بل إلى الكوزموبوليتانية الأيديولوجية؛ محاولًا نفي الهوية الوطنية وإعادة إنتاج خلافة روحية بمحاكاة الكوزموبوليتانية الاشتراكية على أنقاض الحداثة الإيرانية. إن إعادة قراءة أعماله دليل واضح على أن القضية الوطنية، في نظره، مفهومٌ زائد، أو على الأقل ثانوي وتابع.
عمليًا ونظريًا، انحرف شريعتي عن مشروع الدولة الإيرانية الحديثة وجهود المثقفين الوطنيين لإحياء الهوية والقومية الإيرانية. كان معاديًا لتراث الإيرانية واستمرار المفاهيم الوطنية عبر تاريخ إيران الممتد لآلاف السنين، وكانت له زاوية مع الحداثة القومية، ورأى أن الحياة الاجتماعية لا تقبع في ظل عقد سياسي وهوية تاريخية مشتركة، بل في ظل حمى الشغف الثوري والالتزام الأيديولوجي بهوية عالمية. إذا كان شريعتي مفكرًا يدافع عن القضية الوطنية، فلماذا لم يذكر إيران كـ"أمة تاريخية" في جميع أعماله إلا في موقف نقدي وصراعي؟ لماذا اتهم التاريخ الإيراني بـ"العلمانية الزرادشتية" أو "التدنيس الإمبراطوري"؟ لماذا اعتبر الإيرانية توأمًا للبرجوازية والحداثة الاستبدادية؟
القضية الوطنية مفهوم قائم على المعاناة التاريخية للأمم، على الأرض واللغة والذاكرة الجماعية؛ ليست لعبةً في أيدي الأيديولوجيات الرومانسية أو الطوعية. فالقضية الوطنية، كما عُرضت في التراث الفكري الحديث (من إرنست رينان إلى بنديكت أندرسون، ومن هانز كون إلى أنتوني سميث)، تعتمد على افتراضات مثل "التضامن الثقافي"، و"الذاكرة التاريخية"، و"الإقليم السياسي المستقل"، وما شابه ذلك من تمييزات. إلا أن شريعتي، بتركيزه على الهوية الكوزموبوليتانية، لم ينكر هذه الأسس فحسب، بل ساهم عمليًا في تأجيج عملية نزع الصفة الوطنية عن الثقافة الإيرانية. واليوم، بدلًا من إعادة النظر نقديًا في علاقة شريعتي المنفصلة بالقضية الوطنية، يحاول البعض تصويره كمفكر وطني، وبالتالي استيلاءهم مجددًا على مفاهيم الأمة والوطن والذاكرة التاريخية والعقلانية الوطنية.
نحن في مركز نمروز للدراسات الإيرانية نعلن صراحةً:
1. إن مؤتمر "شريعتي والقضية الوطنية" مثالٌ واضح على الاختلاق المفاهيمي على المستوى النظري، ومثالٌ على التوفيق بين المفاهيم الفكرية غير القابلة للاختزال على المستوى الثقافي.
٢. لم يكن شريعتي مجرد مُنظّر للأمة، بل كان خطابه أحد العوامل التي حوّلت العقلانية الوطنية إلى شغف ثوري، وحوّلت الفكر الحضاري إلى عواطف ونظريات عالمية لا تتوافق مع الواقع التاريخي والثقافي والحضاري لإيران الحبيبة.
٣. إن عقد مؤتمر كهذا، دون نقد جذري للأسس المناهضة للأمة في أعمال شريعتي، يُعدّ إهانةً للفهم التاريخي للأمة الإيرانية، ويتجاهل معاناة المنظرين القوميين، ومناضلي الحركة الدستورية، وأصدقاء إيران، والمدافعين عن استقلال إيران الثقافي في القرون الأخيرة.
نطالب بإبعاد المفاهيم المقدسة، مثل "القضية الوطنية"، عن الألاعيب الثقافية والاستيلاءات الأيديولوجية. تحتاج إيران إلى إعادة النظر في شؤونها الوطنية، ولكن يجب أن تتم هذه إعادة النظر في ضوء التاريخ الحقيقي الذي مرّت به، والهوية الإيرانية، والعقلانية السياسية فيما يتعلق بالثروات التاريخية والثقافية والحضارية لإيران الحبيبة، لا في ظل تفسيرات وتأويلات متحيزة لشريعتي أو أي شخصية أيديولوجية أخرى.