النهار

الإثنين، 19 نوفمبر 2018 10:44 م
النهار

منحازون... للحقيقة فقط

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحريرأسامة شرشر

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحريرأسامة شرشر

رئيس التحرير

أسامة شرشر يكتب : احتراق ذاكرة مصر

النهار
ماذا يحدث ويجري في مصر الآن؟.. بعيداً عن التحليلات والاستنتاجات، والقراءات المبنية علي توقعات نظرية مع تعمد واضح علي غياب المعلومات الحقيقية المبنية علي وقائع وأدلة وقرائن وشهود عيان، نجد أنفسنا جميعاً أمام حالة عبثية وفوضي مخططة بفعل فاعل. وللأسف الشديد، الفاعل مجهول لدينا ومعلوم بكل تأكيد لأولي الأمر وهو المجلس العسكري وحكومة الإنقاذ، وأجهزة الاستخبارات، وجهاز الأمن الوطني المفروض أنه جهاز لجمع المعلومات وتحليلها وعمل رد فعل استباقي قبل حدوثها. ولاننا منذ 25 يناير وسقوط رأس النظام مازالت حرافيش وأدوات النظام السابق تعمل كخفافيش في النهار والليل وتملك أدوات كثيرة تجندها من حين لآخر تقوم بعمل يهز الجميع وهي عناصر موجودة في كل الأجهزة الأمنية والجهاز التنفيذي للدولة، ولن تسمح بنجاح ثورة 25 يناير لأنها جزء لا يتجزأ من منظومة فساد نظام مبارك وهي علي استعداد لدفع كل ما تملك من أموال لتفريغ الثورة من مضمونها حتي يتباكي الناس علي الرئيس المخلوع للوصول بالرأي العام إلي حقيقة أصبحت تتردد هذه الأيام بأن أيام فساد مبارك وحاشيته أفضل مما نعيش فيه الآن، بسبب الغياب التام للأمن الحقيقي للمواطن والوطن الذي أصبح علي حافة الاحتراق. وما جري من أحداث أخيرة أمام مجلس الوزراء وإحراق عمدي وقصري من مجموعة مؤجرة تعرف ماذا تفعل وتقوم بإحراق ذاكرة وتاريخ مصر الممثل في المجمع العلمي الذي يضم تراث هذه الأمة منذ حملة نابليون بونابرت، وللأسف الشديد هذه المخطوطات اليدوية الأصلية - ككتاب وصف مصر - التي تم تجميعها في 20 مخطوطا احترقت بالاضافة إلي مكتبة تضم أكثر من أربعين الف كتاب، ناهيك عن خرائط هذا البلد منذ عام 1875 من أيام الخديوي اسماعيل فهذا الأثر والتراث التاريخي الذي يساوي كنوز الدنيا كلها، أصبح مباحاً ومستباحاً أمام صبية يحرقونه ويدمرونه في مشهد فوضوي وعبثي، ورجال الأمن يشاهدون حريق ذاكرة مصر وهو أخطر من حريق القاهرة قبل ثورة 1952 .بالله عليكم هل هناك أمة في العالم تضع تراثها وتاريخها في مرمي الأحداث منذ شهر ومجلس الوزراء والمجمع العلمي محاصر أمامنا جميعاً ولا أحد يفكر في نقل هذا المخزون التراثي والتاريخي لمكان آمن؟ ولكن لأننا نعيش في زمن اللامعقول فأصبحنا نتحرك بسياسة رد الفعل كالنظام السابق وليس الفعل قبل حدوث كارثة مثل تلك.سؤال يلح علّي شخصياً ولا يجد إجابة واضحة ومقنعة: إذا كانت القوات المسلحة استطاعت ان تؤمن مقرات الانتخابات البرلمانية في كل محافظات مصر - من أدناها إلي أقصاها - ونجحت بامتياز، ولم تحدث حالة بلطجة واحدة امام المقرات الانتخابية، فهل لا تستطيع تأمين مكان مهم وتاريخي واستراتيجي مثل المجمع العلمي ومجلس الوزراء ومجلس الشعب؟ أريد إجابة يتقبلها العقل والمنطق.ياسادة، الغزاة والمحتلون لا يدمرون ولا يحرقون الأماكن التراثية. وما حدث إبان سقوط بغداد قام الاحتلال الأمريكي والموساد الإسرائيلي بأخذ كل الكتب والمخطوطات التاريخية ولم تدمرها، ولكن نحن نقوم بقتل أنفسنا بأيدينا، لن نصدق بعد اليوم ان هناك طرفا ثالثا وغامضا وأصابع داخلية وخارجية قبل أن نعرف من هو الطرف الأول والثاني. فهناك مخطط مستمر لحرق وتقسيم مصر خطوة خطوة ويسير هذا السيناريو بنجاح واقتدار فليست عصابات اللهو الخفي المنتشرة في كل ربوع مصر والكائنات الشيطانية التي تنزل علينا من كل اتجاه في كل مصيبة تحل علينا ثم سرعان ما ننسي حتي تطل علينا كارثة أخري ونقوم بالتنظير والتحليل، والمحصلة النهائية تنتهي إلي فراغ والغوص في المجهول، وللأسف الشديد الكل يتاجر بالأحداث والمواقف ومصر تدفع الثمن يوماً بعد يوم ولكن الخطورة الآن ان تحرق هويتها وثقافتها وتاريخها وحضارتها فأمة بلا ذاكرة تاريخية كأنها أمة جاءت من العدم فالمعركة القادمة علي مصر من كل الاتجاهات بأدوات وأياد وأفكار مصرية للأسف الشديد، مهمتها الأولي والاخيرة هي تدمير ثقافة هذه الأمة فالغزو الداخلي الثقافي هو الذي سيحلل ويقسم هذه الأمة إلي دويلات صغيرة فالأمم تدعي وتشتري تراثها ونحن نقوم بإسقاط الأمة وتاريخها. والقضية اننا دائما ودوماً سنظل نبكي علي تراثنا دون ان نعرف من هو الجاني الحقيقي، فكلنا متهمون إلي ان تظهر الحقيقة، وأشك إذا ظهرت. وأتذكر قول النبي عليه الصلاة والسلام عندما قال: أنا مدينة العلم وعلي بابها فمن أراد أن يتعلم فليدخل من بابها، هذا القول فيه إعلاء لقيمة العلم والثقافة والمعرفة والتراث والحضارة الإنسانية.والأحداث الأخيرة جعلتني أشك في كل شيء مما أدي إلي حيرتي وأنا أقرأ مقولة ادخلوا مصر آمنين، فهل نحن آمنون حقا وفعلا؟.. أشك في ذلك لأن مصر تحترق وغير آمنة فلا يوجد أمان الآن في مصر المحروقة وللأسف الشديد بأيدي قلة من أبنائها المفسدين في الأرض فقاموا - عن عمد - بإحراق قلب وذاكرة تاريخ مصر.وعجبي!
النهار, أسامة شرشر